التاريخ والآثار
أسماء سامراء

لسامرّاء أسماء عديدة أوردها الحموي في معجم البلدان :

الأوّل : سامرّاء - ممدودا - وشاهده قول البحتري « 1 » :

وأرى المطايا لا قصور بها * عن ليل سامرّاء تذرعه

أقول ومنه قول ابن حماد أبي الحسن علي بن عبيد اللّه البصري في قصيدته النونيّة :

وأرض طوس وسامرّاء قد ضمنت * بغداد بدرين حلّا وسط قبرين

ومنه ما ذكره الشاعر الكبير السيّد صالح البغدادي رحمه اللّه في قصيدته الميميّة في مدح علي الهادي عليه السّلام بقوله :

وعاش بسامرّاء عشرين حجّة * يجرع من أعداه سمّ الأراقم

سقى أرض سامرّاء منهمر الحيا * وحيّا مغانيها هبوب النسائم

ومنه ما ذكره العلّامة الكبير السيّد محسن الأمين العاملي مدّ ظلّه في المجالس السنيّة بقوله :

يا راكب الشدّ نيّة الوجناء * عرج على قبر بسامرّاء

أبكي وهل يشفي الغليل بكائي * بدرين قد غربا بسامرّاء

ومنه ما ذكره السيّد محمّد القطيفي الشاعر الكبير في قصيدته الهائيّة يمدح بها العسكريّين عليهما السّلام بقوله :

ثمّ عج يا مرشد النفس إلى * أرض سامرّاء تنشق من ثراها

الثاني : سامرّا - مقصورا - ومنه ما ذكره ابن حمّاد المذكور في قصيدته التائيّة :

وفي غربيّ بغداد وطوس * وسامرّا نجوم ظاهرات

ومنه ما ذكره الشيخ مفلح في قصيدته اللاميّة في مصائب أهل البيت عليهم السّلام :

بطوس وسامرّا لهم وبطيبة * وبغداد أيضا والغريّ منازل

الثالث : سرّ من رأى - مهموز الآخر - ذكره الحموي في المعجم قال : ومنه قول المنتصر :

إلى اللّه أشكو عبرة تتحيّر * ولو قد حدا الحادي لظلّت تحدّر

فيا حسرتا إن كنت في سرّ من رأى * مقيما وبالشام الخليفة جعفر

ومنه قول الشاعر :

بنفسي من نالت به سرّ من رأى * فخارا له تعتو النجوم الكوانس

ومنه شعر عضد الدولة الديلمي كما في مناقب لابن شهرآشوب :

وفي أرض بغداد قبور زكيّة * وفي سرّ من رأى معدن البركات

الرابع : سرّ من را - مقصورا غير مهموز - كما في قول الحسين بن الضحاك :

سرّ من را أسر من بغداد * فاله عن بعض ذكرها المعتاد

الخامس : سرّ من را ممدودا كما في قول البحتري أبي عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى الطائي :

لأرحلنّ وآمالي مطرّحة * بسرّ من راء مستبطي لها القدر

السادس : سرّاء - بضمّ السين ممدودا - كما عن الجوهري قال في القاموس : سراء - ممدودة مشدّدة مضمومة وتارة تفتح - اسم لسرّ من رأى . وسرّ من را - بضمّ السين والراء - أي سرور وبفتحهما كذلك ، وسامرّاء وساء من رأى والنسبة سرّ من ري وسامريّي وسرّي . ومنه الحسن ابن علي بن زياد .

السابع : سرور من رأى . قال الحموي في المعجم : ذكر محمّد بن أحمد البشاري نكتة حسنة فيها قال : لمّا عمرت سامرّاء وكملت واتسعت بركتها وخيرها واتسق نظامها سمّيت سرور من رأى ثمّ اختصرت فقيل : سرّ من رأى ، فلمّا خربت وتشوّهت خلقتها سمّيت ساء من رأى ثمّ اختصرت فقيل سامرّاء .

الثامن : ساء من رأى وقد ينسبون إليها بالسرّ من رأى بالسين المضمومة المشدّدة بعدها راء مشدّدة وفتح الميم بعدها راء مشدّدة مفتوحة أيضا بإدغام النون .

التاسع : سام راه . قال في المعجم : وقيل إنّها مدينة بنيت لسام بن نوح عليه السّلام فنسبت إليه بالفارسيّة سام راه ، وإليه أشار العلّامة الخبير الشيخ محمّد السماوي النجفي في أرجوزته في تاريخ سامرّا التي سماّها « وشايح السرّاء » في شأن سامرّاء وهي في سبعمائة بيت طبعت في النجف الأشرف سنة 1360 يقول في أوّلها :

أحمد من عمّ البلا أمرا * وخصّ في ألطافه سامرا

فقدّست بما بها من مرقد * يضمّ أفلاذ فؤاد أحمد

وبوركت فأصبحت كالطور * أو مكّة في فضلها المسطور

فهاكها ( وشايح السرّاء ) * مؤرّخا في شأن سامرّاء

لفظة سامرّاء للإعجام * فإنّ معناها طريق سام

فسام الاسم وراه النهج * والعجم في عكس المضاف تلهج

وكان سام بن نوح إن أتى * جوخى عليها مرّ في فصل الشتا

العاشر : عسكر . قال اليافعي في مرآة الجنان في حوادث سنة 254 : إنّه لمّا كثرت السعاية في حقّ عليّ بن محمّد الهادي عند المتوكّل أحضره من المدينة وكان مولده بها وأقرّه بسرّ من رأى وهي تدعى ب « العسكر » .

أقول : والصحيح أنّ العسكر اسم لمحلّة من محلّات سامرّاء وهي التي كان فيها دار مولانا عليّ الهادي عليه السّلام وفيها قبره الآن . وقيل : لأجل ذلك سمّي الإمامان عليهما السّلام بالعسكريّين ولتسميتهما بالعسكريّين وجه آخر يأتي في محلّه .

الحادي عشر : الناحية . قال الطريحي في المجمع : وقد تكرّر في الحديث ذكر الناحية وقد يعبّر به عن القائم عجّل اللّه فرجه ، وفي بعض الأحاديث : دخلت الناحية أي سرّ من رأى . وذهبت إلى الناحية أي إلى سرّ من رأى .

الثاني عشر : زوراء . قال اليعقوبي في كتاب البلدان « 2 » : واسمها في الكتب المتقدّمة زوراء بني العبّاس ، ويصدق ذلك لأنّ قبلة مساجدها كلّها مزوّرة - أي مايلة - فيها ازورار ليس فيها قبلة مستوية إلّا أنّها لم تخرب ولم يذهب اسمها .

الثالث عشر : طيرهان ، وفي بعض النسخ بالباء المنقطة بعد الهاء وزان زبرقان ، وفي بعض النسخ بالتاء المثنّاة بعد الهاء المفتوحة على وزان خبرفات ، وفي بعضها بعد الطاء ياء مثنّاة ، وكيف كان لم أظفر على معنى طيرهات . ثمّ في المعجم في ترجمة الموصل وجدت أنّه جعل طيرهان والسن والحديثة من أعمال الموصل .

الرابع عشر : من أسماء سامرّاء « المؤتكفة » وسيأتي بعد هذا في تاريخ المعتصم .

قال اليعقوبي في تاريخ البلدان « 3 » : كانت سرّ من رأى في متقدّم الأيّام صحراء من أرض الطيرهان لا عمارة بها ، وكان بها دير النصارى بالموضع الذي صارت فيه دار السلطان المعروفة بدار العامّة وصار الدير بيت المال .

وفي مروج الذهب : سأل المعتصم عن سامرة وقال : من أيّ البلاد هي وإلى م تضاف ؟ قيل له : من بلاد طبرهات - بالباء الموحّدة وفي آخرها تاء مثنّاة - .

وفي التنبيه والأشراف للمسعودي « 4 » : فخرج المعتصم إلى آخر سنة مأتين وعشرين إلى ناحية القاطول فنزل قصرا كان للرشيد هنالك وهمّ أن يبني في ذلك الموضع مدينة ثمّ بدا له ولم يزل ينتقل في تلك النواحي حتّى وقع اختياره على موضع سامرّاء وهو في بلاد كورة الطيرهان فابتدأ ببنائها في سنة إحدى وعشرين ومأتين وسمّاها سرّ من رأى وكملت في أسرع مدّة وعظمت عماراتها واتصلت أسواقها وقصورها ونقلت إليها الدواوين والعمّال وبيوت الأموال وقصدها الناس لنزول الخليفة بها وطيبها وحسن موقعها وعمارتها وصنوف مكاسبهم وقد ذكر أنّها كانت قديمة مسمّاة بهذا الاسم سمّيت بسام بن نوح وإنّها كانت آهلة عظيمة عامرة فلم تزل تتناقص على مرّ الزمان وكان آخر خرابها في أيّام فتنة الأمين والمأمون ، وإنّ موضع قصر المعتصم كان ديرا للنصارى وأراضي فابتاعها منهم ، وسرّ من رأى آخر المدن العظيمة التي أحدثت في الإسلام وهي سبع . ثمّ شرع في شرح تمصير هذه السبعة وهي البصرة ثمّ الكوفة ثمّ فسطاط مصر ثمّ الرملة ثمّ واسط العراق ثمّ بغداد ثمّ سرّ من رأى .

أقول : لم نعرف وجها لتركه ذكر مدينة الهاشميّة التي بناها أبو العبّاس عبد اللّه السفّاح أوّل خلفاء العبّاسيّين بحذاء الكوفة ومدينة الموفقية التي بناها الموفق طلحة بن المتوكّل أخو المعتمد ، وكانت الموفقيّة قرب واسط ، والمدينة المختارة التي بناها صاحب الزنج في نواحي البصرة ، وسيأتي ذكرها في ترجمة المعتمد .



____________

( 1 ) بفتح الباء وسكون الحاء المهملة وفتح التاء ، أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى الطائي المتوفّى 283 أو 285 ، وكانت مدّة حياته ثمانية أو تسعة وسبعون ، وكان من أكابر الشعراء الفصحاء البلغاء .

( 2 ) البلدان : 35 .

( 3 ) تاريخ البلدان : 24 ، طبع النجف الأشرف ، المطبعة الحيدريّة .

( 4 ) التنبيه والأشراف : 309 .

وجه تسمية سامرّاء

ذكر الدكتور أحمد سوسه في المجلّد الأوّل من كتابه « ريّ سامرّاء » « 1 » : تقع مدينة سامرّاء الحالية على ضفته اليسرى من نهر دجلة على مسافة 130 كيلومتر شمالي بغداد وهي تبعد زهاء 175 كيلومترا عن بغداد بطريق النهر ، وقد بنيت على أطلال مدينة سرّ من رأى العبّاسيّه ، والأخيرة تمتدّ على طول نهر دجلة إلى أبعاد شاسعة فتمتدّ مسافة تسعة كيلومترات تقريبا جنوبي المدينة الحالية وحوالي الخمسة والعشرين كيلومترا شماليها أي مجموع طولها يبلغ زهاء 34 كيلومترا . أمّا عرضها فيتراوح بين الكيلومترين والأربعة كيلومترات أي بمعدّل ثلاثة كيلومترات وعلى هذا الأساس يمكن تقدير مساحة مدينة سامرّاء العبّاسيّة مأة وعشرة كيلومترات مربّعة ، وإذا ما أضفنا إلى هذه المساحة حديقة حيوانات المتوكّل ( حير المتوكّل ) التي تقع في أقصى الحدود الجنوبيّة وهي نحو خمسين كيلومترا مربّعا وكذلك مساحة منطقة القادسيّة الواقعة بجوار الحديقة المذكورة وهي حوالي سبعة كيلومترات مربّعة جاز لنا أن نقدّر مساحة سامرّاء العبّاسيّة بحوالي 167 كيلومترا مربّعا . ولو أضفنا إلى ذلك مساحة معسكر اصطبلات والقائم على ضفة نهر دجلة اليمنى وهي حوالي 58 كيلومترا مربّعا أمكننا اعتبار مجموع مساحة سامرّاء العبّاسيّة 225 كيلومترا مربّعا ، هذا عدا مشتملات المدينة من بساتين وحدائق وقصور على الجانب الأيمن من نهر دجلة وهي المشتملات التي تقع بين نهر دجلة ونهر الإسحاقي والتي تمتدّ على طول ضفة دجلة الغربيّه مقابل سرّ من رأى ، ولا شكّ أنّ هذه المساحة الهائلة تجعل مدينة سرّ من رأى في عداد أكبر مدن العالمين القديم والحديث .

إلى أن قال : غير أنّ هذا الازدهار العجيب لم يستمرّ مدّة طويلة لأنّ المدينة تفقد صفة العاصمة التي كانت علّة وجودها وعامل كيانها قبل أن يمضي نصف قرن على نشأتها فأخذ في الاقفرار والاندراس بسرعة هائلة لا تضاهيها سرعة ، وبعد أن كان الناس يسمّونها باسم سرّ من رأى أضحوا يسمّونها ساء من رأى ، وبعد أن كان الشعراء يتسابقون في مدح قصورها أخذوا يسترسلون في رثاء أطلالها . وفي الواقع ماتت سامرّاء ميتة فجائيّة بعد عمر قصير لم يبلغ نصف القرن ، وأمست رموسا وأطلالا .

واعلم أنّ الموصل استوت عليه سفينة نوح عليه السّلام ، ولمّا نضب الماء وكان طريق سام من بازبدى إلى جوخى أرض سامرّاء فحيث رأى طيب هوائها وسعة فضائها وعذوبة مائها ابتنى بها مدينة سامرّاء فصارت آهلة عظيمة عامرة ثمّ كثر فيها عبدة الأوثان .

ويقول حمد اللّه المستوفي المتوفّى 1740 أو خمسين : إنّ مدينة سامرّاء أنشأها في الأصل سابور الثاني ذو الأكتاف ولمّا كان إقليمها طيّبا عرفت بسرّ من رأى .

ويقال : إنّ الناس خفّفوا هذه النسبة فقالوا سامراء . وقد ذكرها البحتري شاعر المتوكّل بهذه الصفة في قصيدته المتعلّقة بإعدام بابك الحزمي :

أخليت منه البذّ وهي قراره * ونصبته علما بسامراء

ويؤيّد ذلك الحفريّات التي شاهدناها في زماننا هذا من صنوف الأصنام . وكان الأمر كذلك إلى أن استولى عليها الإكاسرة فمدّنوا فيها المدائن والقصور الشاهقة وكرّوا فيها الأنهار وغرسوا الأشجار حتّى كان يقال لها من كثرة الأشجار والأنهار أرض السواد ، فأصبحت سامرّاء من أحسن مدن العراق لطيب هوائها وعذوبة مائها وقلّة دائها واعتدال فصولها وكثرة أورادها ورياحينها ، ثمّ استولى عليها القياصرة في أيّام خسرو پرويز وغلبت الروم على الفرس فطردوا المجوس والوثنيّين من سامرّاء وزادوا في قصورها وعماراتها كما ستعرف عند ذكر ديارات سامرّاء ، وأكثروا فيها الصوامع والكنايس إلى أن ظهر الإسلام .

فلمّا أرسل سعد بن أبي وقّاص جيشا عليه عبد اللّه بن المعتم لفتح تكريت في سنة ست عشرة من الهجرة وافتتحها المسلمون ، افتتحوا سامرّاء أيضا لأنّ بينهما تسعة فراسخ فخاف النصارى على أنفسهم من المسلمين فجعلوا يتفرّقون فبقيت سامرّاء تتناقص على مرّ الزمان وكان آخر خرابها في أيّام فتنة الأمين والمأمون كما عرفت آنفا من كتاب التنبيه والأشراف للمسعودي ، فبقيت صحراء لا عمارة فيها سوى عدّة ديارات للنصارى .

قال الحموي في المعجم : فأراد السفّاح تمصير سامرّاء فبنى مدينة الأنبار بحذائها وأراد المنصور بعد ما أسّس بغداد بناءها وسمع في الرواية ببركة هذه المدينة فابتدأ بالبناء في البردان ثمّ بدا له وبنى بغداد . وأراد الرشيد أيضا بناءها فبنى بحذائها قصرا وهو بحذاء أثر عظيم للأكاسرة كان قديما ثمّ بناها المعتصم ونزلها في سنة إحدى وعشرين .


____________

( 1 ) ريّ سامرّاء 1 : 46 .


تعيين درجة سامرّاء

قال الحموي في المعجم : سرّ من رأى مدينة كانت بين بغداد وتكريت على شرقي دجلة وقد خربت .

وقال أبو سعيد : سامراء بلد على دجلة فوق بغداد بثلاثين فرسخا يقال لها سرّ من رأى فخفّفها الناس وقالوا سامرّاء ؛ وهي في الإقليم الرابع طولها تسع وستّون درجة وثلثا درجة ، وعرضها سبع وثلاثون درجة وسدس تعديل نهارها أربع عشرة ساعة ، غاية ارتفاع الشمس بها تسع وسبعون درجة وثلث ، ظلّ الظهر درجتان وربع ، ظلّ العصر أربع وعشرة درجة ، بين الطولين ثلاثون درجة ، سمت القبلة إحدى عشرة درجة وثلاث عشرة ، وبها السرداب المعروف في جامعها الذي تزعم الشيعة أنّ مهديّهم يخرج منه .

أقول : الشيعة لا يزعمون أنّ مهديّهم يخرج من السرداب وإنّما نسب إليهم ذلك من أراد نبزهم بهذه الخرافات التي هم بريئون منها براءة الذئب من دم يوسف ، وحاشاهم عن مثل هذه التلفيقات التي لفّقها من أراد الحطّ من كرامتهم ، بل اتفقت أحاديثهم على أنّ المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه يكون بدء ظهوره في مكة المعظّمة في دار هجرته الكوفة ولا ينكر الشيعة أنّ بعض الأولياء تشرّفوا بخدمته عجّل اللّه تعالى فرجه في السرداب كما سنتلو عليك فيما بعد .

وقد تبع صاحب المعجم في هذه النسبة الكاذبة صاحب كتاب مراصد الاطلاع في معرفة الأمكنة والبقاع حيث قال : سامرّاء على دجلة من شرقيّها تحت تكريت وحين انتقل المعتضد عنها وسكن بغداد خربت ولم يبق منها الآن إلّا يسير ، ولها أخبار طويلة والباقي منها الآن موضع كان يسمّى بالعكسر كان عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر وابنه الحسن بن عليّ يسكنان بها وهما العسكريّان فنسبا إليه وبها دفنا وعليهما مشهد يزار فيه ، وفي هذا المشهد سرداب فيه سرب  تزعم الرافضة أنّه كان للحسن بن عليّ الذي ذكرناه ابن اسمه محمّد صغير غاب في ذلك السرداب وهم إلى الآن ينتظرونه .

أقول : الشيعة متفقون على أنّ إمامهم الثاني عشر اسمه محمّد وهو ابن الحسن العسكري عليه السّلام وهو غائب غيبة كبرى عن الأنظار بشخصه خوفا من كيد الأعداء وهم ينتظرون خروجه فيملأ الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا وهم يروون روايات متواترة في ذلك عن النبيّ صلّى اللّه عليه واله وآله الأطهار عليهم السّلام ولا يحفلون بتنبّز نابز أو بقدح قادح . وأمّا ما رماهم به المخالفون من أنّهم ينتظرون خروجه من السرداب المذكور فلا ظلّ له من الحقيقة ، والحقايق لا تثبت بالأكاذيب . ومن الغريب أنّ صاحب المراصد استنكف من الاعتراف بوجود ولد للعسكري عليه السّلام حيث عبّر بقوله « تزعم الرافضة » وذهب مذهب من قال في شعره اللاذع :

ما آن للسرداب أن يلد الذي * سمّيتموه بزعمكم إنسانا

فعلى عقولكم العفاء فإنّكم * ثلثتم العنقاء والغيلانا

مع أنّ أكابر علماء السنّة قد شحنوا كتبهم بذلك وإليك أنموذجا من أسمائها :

كتاب مناقب المهدي للحافظ أبي نعيم الأصبهاني ذكر فيه صفة المهدي باسمه وكنيته.

كتاب صفة المهدي أيضا له ذكر فيه شمائله عجّل اللّه تعالى فرجه .

كتاب البيان في أخبار صاحب الزمان لأبي عبد اللّه محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي - مطبوع - .

كتاب عقد الدرر في أخبار الإمام المنتظر لأبي بدر يوسف بن يحيى السلمي .

كتاب أخبار المهدي للسيّد علي الهمداني الشافعي صاحب مودّة القربى .

كتاب كشف المخفي في أخبار المهدي جمع فيه مائة وعشرة أحاديث من أخبار إخواننا من أبناء السنّة في وجود المهدي ومناقبه وشأنه عجّل اللّه فرجه .

كتاب الملاحم لأبي الحسن أحمد بن جعفر بن محمّد بن عبد اللّه المناوي .

كتاب سعد الدين الحمويني ذكر فيه مناقب المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه .

كتاب البرهان في أخبار صاحب الزمان لعلي المتقي صاحب كنز العمّال وقد أكثر في كنز العمّال في الجزء السادس أيضا الروايات في شأن المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه .

كتاب أخبار المهدي لعباد بن يعقوب الرواجني .

كتاب العرف الوردي في أخبار المهدي لعبد الرحمان السيوطي .

كتاب مطالب السئول لمحمّد بن طلحة الشافعي .

كتاب الفصول المهمّة لابن صبّاغ المالكي .

كتاب تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي .

كتاب الفتوحات لمحي الدين العربي .

كتاب اليواقيت للشعراني .

كتاب شواهد النبوّة لعبد الرحمان الجامي الحنفي .

كتاب روضة الأحباب للسيّد عطاء اللّه الشافعي .

كتاب فصل الخطاب لخواجه پارسا .

كتاب مرآة الأسرار للعارف عبد الرحمان من مشايخ الطريقة .

كتاب لواقح الأنوار للشعراني ينقل فيه عن الشيخ حسن العراقي .

كتاب الحديث المسلسل لإبراهيم البلاذري .

كتاب مواليد الأئمّة ووفياتهم لابن الخشّاب .

كتاب الخصائص لأحمد بن شعيب النسائي .

كتاب مودّة القربى للسيّد علي الهمداني الشافعي .

كتاب مناقب السادات لشهاب الدين الدولت‌آبادي .

كتاب فرائد السمطين للعلّامة محمّد بن إبراهيم الحموي الخراساني .

كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي المكّي .

كتاب نور الأبصار للشيخ الشبلنجي .

كتاب ينابيع المودّة للشيخ سليمان القندوزي البلخي ؛ كلّها مطبوع منتشر ، وغير ذلك ممّا لا يحصى كثرة .

فإذا اعترف أكثر من مأتين من الأساتذة الأعلام من إخواننا السنّة بصفة المهدي وحياته وظهوره في آخر الزمان فلا يضرّنا خلاف من خالفنا بتأنيفاته ، ويأتي تفصيل المقام في الجزء الآخر . وهذه الكتب إمّا مختصّة بذكر صاحب الزمان أو مشتمل بذكر حياته الطيّبة .

ثمّ تقدّم أنّ هذه المساحة الهائلة تمتدّ اليوم أمام أنظار الزائر وتتوالى تحت أقدام المسافر إلى أبعاد شاسعة لا يقلّ امتدادها عن الخمسة وثلاثين من الكيلومترات وعندما يتجوّل المرأ بين هذه الأطلال المترامية الأطراف ويتأمّل في السرعة العظيمة التي امتاز بها تأسيس مدينة سامرّاء وتوسّعها من جهة وإقفرارها من جهة أخرى لا يتمالك نفسه من السائل عن العوامل التي سيطرت على مقدّرات هذه المدينة العظيمة وصيّرت قصّة حياتها بهذا الشكل الغريب .

قال الحموي في المعجم : كان سام بن نوح له جمال ورواء ومنظر ، وكان يصيف بالقرية التي ابتناها نوح عليه السّلام عند خروجه من السفينة ببازبدى وسمّاها ثمانين ، ويشتو بأرض جوخى وكان ممرّه من أرض جوخى إلى بازبدى على شاطي دجلة من الجانب الشرقي ، ويسمّى ذلك المكان الآن سام راه يعني طريق سام . وقيل :

نزل فيها قوم من اليهود يقال لهم السامري فسمّيت سامرا باسمهم ، ولا منافاة بينهما .

وقيل في وجه التسمية أنّها كانت موضع أخذ الخراج قالوا بالفارسية ساء مرّه أي هو موضع أخذ الخراج .

وقال حمزة « 1 » : ساء اسم الأتاوة ( ككتابة الخراج والرشوة ) .

ومرّة اسم العدد والمعنى أنّه مكان قبض العدد أي عدد جزية الرؤوس . وإليه أشار العلّامة الخبير السماوي عليه الرحمة في وشايح السرّاء في شأن سامرّاء :

أو إنّ ذاك مقبض الأتاوة * من الرعايا لذوي العلاوة

فلفظ سا أتاوة إلى الملك * ولفظ مرّا عدد لم يرتبك

وكان كسرى يأخذ الخراجا * في ذلك الموضع حيث راجا

وصحّفت على كلا القولين * بالهمز والتشديد في حرفين

ثمّ أتى لنحوها المعتصم * إذا اشتكت بغداد ممّا يصم

لأنّ جنده إذا ما بانا * حطّم من على الطريق كانا

حتّى اشتكوا إليه أهل الخيل * وحذّروه من سهام الليل 

فارتاد سامرّاء للأجناد * واختارها من سائر البلاد

فسمّيت سرّ وسرّ من رأى * وسامرا كأصلها الذي نأى

ثمّ بنى ما شاء من دساكر * فسرّ من رأى من العساكر

وسرّ من رآه وسرى فإذن * لغاتها سبع لمن بها سكن

وسمّيت عسكر إذ معناها * مجتمع الجنود في مغناها

فهي محلّ الجمع المنصوص * أو العموم تابع الخصوص

وسمّيت سا من رأى من بعد ما * أمسى البنا بعقرها منهدما


___________

( 1 ) كانت سامراء مدينة عتيقة من مدن الفرس تحمل إليها الإتاوة التي كانت موظفة لملك الفرس على ملك الروم ، ودليل ذلك قائم في اسم المدينة لأنّ سا اسم الإتاوة ، ومرّة اسم العدد والمعنى أنّه مكان قبض عدد جزية الروم . ( معجم البلدان ) 

بدء بناء سامرّاء

قال الحموي في المعجم أنّ إبراهيم الجنيدي قال : سمعتهم يقولون : إنّ سامرّاء بناها سام بن نوح عليه السّلام ودعا أن لا يصيب أهلها سوء .

قال في المجمع : سام أحد بني نوح عليه السّلام وهو أبو العرب .

وفي السير : سام وحام ويافث أولاد نوح عليه السّلام والذي خصّ به نوح بالاسم الأكبر وميراث العلم وآثار النبوّة سام دون أخويه .

وفي البحار : كانت أمّ سام عمورة بنت ضمران بن أخنوخ وهو إدريس عليه السّلام وهي أوّل من آمنت بنوح عليه السّلام فلمّا استقرّت السفينة على جبل الجودي وهو بقرب الموصل نزل نوح عليه السّلام وأصحابه وأولاده وهم ثمانون فبنى بلدة سمّاها أبو الثمانين .

وفي قصص الأنبياء : فذهب حام بن نوح إلى الهند وذهب يافث إلى بلاد الترك ، وذهب سام إلى الكوفة موضع السفينة ، وكان في أيّام الشتاء بأرض جوخى ، وفي أيّام الصيف بأرض بازبدى .

وفي مراصد الاطلاع : جوخاء - بالخاء المعجمة والمدّ - موضع بالبادية ، وجوخى - بالقصر - نهر عليه كورة واسعة في سواد بغداد بالجانب الشرقي منه .

قالوا : ولم يكن ببغداد مثل كورة جوخى ، كان خراجها ثمانين ألف ألف درهم ، فلمّا صرفت دجلة عنها خربت وأصابهم بعد ذلك طاعون ، ولم يزل السواد في إدبار من ذلك الطاعون .

قال في المراصد : بازبدى - بفتح الزاء المعجمة وسكون الباء الموحدّة مقصورة - كورة من ناحية جزيرة ابن عمر في غربي دجلة تقابل بافردى وهي كورة في شرقيّها ، وبازبدى قرية منها تقابل جزيرة ابن عمر ، وبالقرب منها جبل الجودي وقرية أبي الثمانين التي ابتناها نوح عليه السّلام حين خرج من السفينة . والجودي - بالياء المشدّدة - : جبل مطل على جزيرة ابن عمر في شرقيّ دجلة .

عمارة سامرّا ، في عصر هارون الرشيد

قال الحموي في المعجم : كان هارون الرشيد حفر نهرا عند سامرّاء سمّاه القاطول وأتى الجند ، وبنى عنده قصرا ، ثمّ بنى المعتصم أيضا هناك قصرا ووهبه لمولاه أشناس « 1 » فلمّا ضاقت بغداد من عساكره وأراد استحداث مدينة كان هذا الموضع على خاطره فجاءه وبنى عنده سرّ من رأى .

ذكر الدكتور أحمد سوسه في كتابه « ري سامرّاء » « 2 » وقال : وكانت منطقة القاطول والقادسية من أحبّ المتنزّهات وساحات الصيد لدى خلفاء بني العبّاس فكانوا يقصدونها لقضاء أوقات طربهم وأمنهم فيها كما كانوا يقصدونها للقنص والصيد حيث كانت أطيار البرّ والماء موفورة في المنطقة نفسها .

وقد جاء في الأغاني ما يشير إلى أنّ المعتصم كان يقضي بعض أوقاته في منطقة القاطول وهذا بعض ما ذكره صاحب الكتاب في هذا الصدد قال : أخبرني عمّي قال : حدّثنا أبو عبد اللّه المرزباني قال : حدّثني إبراهيم بن دلف العجلي قال : كنّا مع المعتصم بالقاطول وكان إبراهيم بن المهدي في حراقة - أي سفينة - بالجانب الغربي وأبي وإسحاق الموصلي في حراقتيهما في الجانب الشرقي ، فدعاهما يوم الجمعة فصرنا إليه وأنا معهما وأنا صغير وعلى أقبية ومنطقة ، فلمّا دنونا من حراقة إبراهيم نهض ونهضنا ونهضت بنهوضه صبية يقال لها غضة ، وإذا في يديه كأسان فلمّا صعدنا إليه اندفع فغنّى :

حيّا كما اللّه خليليّا * إن ميتا كنت وإن حيّا

إن قلتما خيرا فأهل له * أو قلتما غيّا فلا غيّا

ثمّ ناول لكلّ واحد منهم كأسا وأخذ هو الكأس الذي كانت في يد الجارية وقال : اشربا على ريقكما ثمّ دعا بالطعام فأكلوا وشربوا ثمّ أخذوا العيدان فغنّاهما ساعة وغنّاه وضرب وضربا معه وغنّت الجارية بعدهم فقال لها أبي « أحسنت » مرارا ، فقال له : إن كانت أحسنت فخذها إليك ، فما أخرجتها إلّا إليك .

وإليك ما ذكره إبراهيم بن الحسن بن سهل عن الواثق وهو يتصيّد على القاطول ، قال : كنّا مع الواثق بالقاطول وهو يتصيّد فصاد صيدا حسنا وهو في الزو « 1 » من الإوز والدراج وطير الماء وغير ذلك ، ثمّ رجع نتغدى ودعا بالجلساء والمغنّين وطرب وقال : من ينشدنا ؟ فقام الحسين بن الضحّاك فأنشده :

سقى اللّه بالقاطول مسرح طرفكا * وخصّ بسقياه مناكب قصركا

الخ . بالجملة وقد بلغت منطقة القاطول والقادسيّة ذروتها في الجمال والتنسيق على عهد المتوكل فقد أنشأ المتوكّل الساحة الواسعة الواقعة بين القاطول الأعلى الكسروي وقاطول الرشيد الأسفل ( نهر القائم ) وأنشأ فيها حديقة فسيحة للحيوانات ، ثمّ أقام على الطرف الجنوبي من هذه الحديقة قصرا واسعا في مكان قصر الرشيد القديم وساحته كبيرة خلف القصر تتصل بضفة القاطول الأسفل اليسرى .

إلى أن قال : وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه البساتين كانت تروى من القاطول الأعلى الكسروي بالطريقة السيحيّة . وتدلّ الروايات المحليّة المتواترة على أنّه عثر على بعض جذور نخيل قديمة في جوف الأراضي المذكورة أثناء حرثها أو حفر الآبار فيها ممّا يؤيّد أنّها كانت بساتين نخيل .

وقال في حرف القاف : القاطول ، فاعول من القطل وهو القطع وقد قطلته أي قطعته . والقطل والمقطول أي المقطوع اسم نهر كأنّه مقطول من دجلة وهو نهر كان في موضع سامرّاء قبل أن تعمر ، وكان الرشيد أوّل من حفر هذا النهر وبنى على فوهته « 3 » قصرا وسمّى ذلك النهر أتى الجند لكثرة ما كان يسقى من الأرضين وجعله لأرزاق جنده .

وفوق هذا القاطول الكسروي حفرة كسرى أنوشيروان العادل يأخذ من جانب دجلة في الجانب الشرقي أيضا وعليه شاذروان فوقه يسقى رستاقا بين النهرين من طسوج بزرجسابور « 4 » وحفر بعده الرشيد هذا القاطول الذي قدمنا ذكره تحته وهو أيضا يصبّ في نهروان تحت الشاذروان .

وقال جحظة البرمكي يذكر القاطول والقادسيّة المجاورة لها :

ألا هل إلى الغدران والشمس طالعة * سبيل ونور الخير مجتمع الشمل

ومسترشف للعين تغدو ظباؤه * صوائد ألباب الرجال بلا نبل

إلى شاطئ القاطول بالجانب الذي * به القصر بين القادسيّة والنخل

إلى مجمع للطير فيه رطانة * يطيف به القنّاص بالخيل والرجل

فحانة من عيد اليهوديّ إنّها * مشهّرة بالراح معشوقة الأهل


وكم راكب ظهر الظلام مفلّس * إلى قهوة صفراء معدومة المثل

إذا نفذ الخمّار دنّا بمنزل * تبيّنت وجه السكر في ذلك النزل

وكم من صريع لا يدير لسانه * ومن ناطق بالجهل ليس بذي جهل

ترى شرس الأخلاق من بعد شربها * جديرا ببذل المال والخلق السهل

جمعت بها شمل الخلاعة برهة * وفرّقت ما لا غير مصغ إلى العذل

لقد غنيت دهرا بقربى نفيسة * فكيف تراها حين فارقها مثلي

جحظة البرمكي النديم أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد البرمكي دخل سامرّاء وأقام بها مدّة ثمّ رحل إلى واسط وتوفي فيها سنة 324 وحمل إلى بغداد وكان فاضلا صاحب فنون ونجوم ونوادر ومنادمة ، حسن الأدب ، كثير الرواية والأخبار ، مقبول الألفاظ ، حاضر النادرة ، وأمّا صنعته في الغناء فلم يلحقه فيها أحد وله الأشعار الرائقة . ومن شعره قوله :

أنا ابن أناس موئل الناس جودهم * فأضحوا حديثا للنوال المشهّر

فلم يخل من أحسابهم لفظ مخبر * ولم يخل من تقريظهم بطن دفتر

وله أيضا :

قد نادت الدنيا على نفسها * لو كان في العالم من يسمع

كم واثق بالعمر وارينه * وجامع بدّدت ما يجمع

ومن شعره في رثاء ابن دريد :

فقدت يا بن دريد كلّ فائدة * لمّا غدا ثالث الأحجار والترب

ما كنت أبكي لفقد الجور مجتهدا * فصرت أبكي لفقد الجود والأدب

وله مؤلّفات منها : الترنّم ، وديوان الشعر ، وكتاب الطبخ ، وكتاب الطنبوريون ، وكتاب فضائل السكباج ، وكتاب مجرّبات المنجّمين ، وكتاب المشاهدات .

وجحظة - بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الظاء المعجمة - لقّبه بذلك عبد اللّه بن معتز أي الجاحظ الصغير ؛ لأنّه كان مشوّه الخلق . وله ذكر في تاريخ بغداد والأغاني ولابن الرومي فيه :

نبثت جحظته يستعير جحوظته * من فيل شطرنج ومن سرطان

وا رحمة لمنادميه تحمّلوا * ألم العيون للذّة الآذان

وقال ابن بسّام :

لجحظة المحسن عندي يد * أشكرها منه إلى المحشر

لمّا أراني وجه برزونه * وصانني من وجهه المنكر

وكانت وفاته سنة 324 وولادته سنة 224 فعلى هذا عاش مائة سنة .

_____________

( 1 ) أشناس من فراعنة الأتراك وكان مملوكا لنعيم بن حازم اشتراه المعتصم .

( 2 ) ري سامرّاء 1 : 243 .

( 3 ) فوهه جمعه أفواه المراد هنا فم النهر .

( 4 ) الطسوج كسفود الناحية معرب ، وبزرجسابور يأتي في محلّه .

عمارة سامرّاء في عصر المعتصم

قال الحموي في المعجم : قد حكي في سبب استحداث المعتصم سرّ من رأى أنّه قال ابن عبدوس في سنة مأتين وتسع عشرة : أمر المعتصم أبا الوزير أحمد بن خالد ابن الكاتب بأن يأخذ مائة ألف دينار ويشتري بها بناحية سرّ من رأى موضعا يبني فيه مدينة ، وقال له : إنّي أتخوّف أن يصيح هؤلاء الحربيّة صيحة فيقتلون غلماني فإذا ابتعت لي ذلك الموضع كنت فوقهم فإن رابني رائب أتيتهم في البرّ والبحر حتّى آتي عليهم .

فقال له أبو الوزير : آخذ خمسة آلاف دينار وإن احتجت إلى زيادة استزدت .

قال : فأخذت خمسة آلاف دينار وقصدت الموضع فابتعت ديرا كان في الموضع من النصارى بخمسة آلاف درهم وابتعت بستانا كان في جانبه بخمسة آلاف درهم ثمّ أحكمت الأمر فيما احتجت إلى ابتياعه بشيء يسير فانحدرت فأتيته بالصكاك ، فخرج إلى الموضع في آخر سنة 220 ونزل القاطول في المضارب ثمّ جعل يتقدّم قليلا قليلا وينتقل من موضع إلى موضع حتّى نزل بسرّ من رأى وبدأ بالبناء في سنة إحدى وعشرين ومأتين .

سبب خروج المعتصم من بغداد إلى سامرّاء

قال الحموي في المعجم : لمّا ضاقت بغداد عن عسكر المعتصم ، وكان إذا ركب يموت جماعة من الصبيان والعميان والضعفاء لازدحام الخيل وضغطها ، فاجتمع أهل الخير على باب المعتصم وقالوا : إمّا أن تخرج من بغداد فإنّ الناس قد تأذّوا بعسكرك أو نحاربك . فقال : كيف تحاربوني ؟ قالوا : نحاربك بسهام السحر . قال :

وما سهام السحر ؟ قالوا : ندعوا عليك . فقال المعتصم : لا طاقة لي بذلك ، فخرج من بغداد ونزل سامرّاء وسكنها .

وقال أهل السير : إنّ جيوش المعتصم كثروا حتّى بلغ عدد مماليكه من الأتراك سبعين ألفا ، فمدّوا أيديهم إلى حرم الناس وسعوا فيها بالفساد فاجتمع العامّة ووقفوا للمعتصم وقالوا : يا أمير المؤمنين ، ما شيء أحبّ إلينا من مجاورتك لأنّك الإمام والحامي للدين وقد أفرط علينا أمر غلمانك وعمّنا أذاهم ؛ فإمّا منعتهم عنّا أو نقلتهم عنّا . فقال : أمّا نقلهم فلا يكون إلّا بنقلي ولكنّي أفتقدهم وأنهاهم وأزيل ما شكوتم منه ، فنظروا فإذا الأمر قد زاد فعظم ، فخاف منهم الفتنة ووقوع الحرب وعاودوه بالشكوى وقالوا : إن قدرت على نصفتنا وإلّا فتحوّل عنّا وإلّا حاربناك بالدعاء وندعو عليك بالأسحار . فقال : هذه جيوش لا قدرة لي بها ، نعم أتحوّل وكرامة ، وساق من فوره حتّى نزل سامرّاء وبنى بها دارا وأمر عسكره بمثل ذلك ، فعمر الناس حول قصره حتّى صارت أعظم بلاد اللّه .

وقال الطبري وابن الأثير الجزري في تاريخيهما - واللفظ للثاني - : وفي هذه السنة - يعني سنة عشرين ومأتين - خرج المعتصم إلى سامرّاء لبنائها ، وكان سبب ذلك إنّه قال : إنّي أتخوّف من هؤلاء الحربية أن يصيّحوا صيّحة فيقتلون غلماني فأريد أن أكون فوقهم ، فإن رابني منهم شيء أتيتهم في البرّ والبحر حتى آتي عليهم ، فخرج إليها فأعجبه مكانها .

وقيل : كان سبب ذلك أنّ المعتصم كان قد أكثر من الغلمان الأتراك فكانوا لا يزالون يرون الواحد بعد الواحد قتيلا وذلك أنّهم كانوا جفاة يركبون الدوابّ فيركضون إلى الشوارع فيصدمون الرجل والمرأة والصبي فيأخذهم الإباء عن دوابّهم ويضربونهم ، وربّما هلك أحدهم فتأذّى بهم الناس ، ثمّ إنّ المعتصم ركب يوم عيد فقام إليه شيخ فقال له : يا أبا إسحاق ، فأراد الجند ضربه فمنعهم ، فقال : يا شيخ ، مالك ؟ مالك ؟ قال : لا جزاك اللّه عن الجوار خيرا ؛ جاورتنا وجئت بهؤلاء العلوج من غلمانك الأتراك فأسكنتهم بيننا فأيتمت صبياننا وأرملت بهم نسواننا وقتلت رجالنا ، والمعتصم يسمع ذلك ، فدخل منزله ولم ير راكبا مثل ذلك اليوم ، فخرج فصلّى بالناس العيد ولم يدخل بغداد بل سار إلى ناحية القاطول ولم يرجع إلى بغداد .

صفة غلمان المعتصم وذهابهم إلى سامرّاء

قال الحموي في المعجم : قال مسرور الكبير : سألني المعتصم وقال لي : أين كان الرشيد يتنزّه إذا ضجر من بغداد ؟ قلت : بالقاطول ، وكان قد بنى هناك مدينة آثارها وسورها قائم ، وكان قد خاف من الجند ما خفت ، فلمّا وثب أهل الشام بالشام وعصوا خرج إلى الرقّه فأقام بها وبقيت مدينة القاطول لم تستتم ، ولمّا خرج المعتصم إلى القاطول استخلف ببغداد ابنه الواثق وكان المعتصم قد اصطنع قوما من أهل الحرف بمصر واستخدمهم وسمّاهم المغاربة ، وجمع خلقا من سمرقند وأشروسنة وفرغانة وسمّاهم الفراغنة وكانوا من أصحابه وبقوا بعده .

وفي المراصد : أشر وسنة - بالضمّ ثمّ السكون وضمّ الراء وواو ساكنة وسين مهملة مفتوحة ونون وهاء - بلدة كبيرة بما وراء النهر من بلاد الهياطلة بين سيحون وسمرقند ، بينها وبين سمرقند ستّة وعشرون فرسخا .

والهياطلة جمع ، واحدها هيطل ، وهو اسم لبلاد ما وراء النهر وهي بخارى وسمرقند وخجند ، وبين ذلك ، هيطل بالفتح ثمّ السكون وفتح الطاء المهملة .

وفرغانة - بالفتح ثمّ السكون وغين معجمة وبعد الألف نون - مدينة وكورة واسعة بما وراء النهر متاخمة لبلاد تركستان . وفي رواية من ناحية هيطل من جهة مطلع الشمس على يمين القاصد لبلاد الترك واسعة الرستاق يقال كان بها أببعون منبرا وبينها وبين سمرقند خمسون فرسخا ، ومن ولايتها خجند .

وقال المسعودي في مروج الذهب : كان المعتصم يحبّ جمع الأتراك وشراءهم من أيدي مواليهم ، فاجتمع له منهم أربعة آلاف فالبسهم أنواع الديباج والمناطق المذهّبة والحلّة المذهّبة ، وأبانهم بالزي عن سائر جنوده ، وقد كان اصطنع قوما من حوف مصر ومن حوف اليمن وحوف قيس فسمّاهم المغاربة ، واستنفذ من رجال خراسان من الفراغنة والأشر وسنة وغيرهم فكثر جيشه فكانت الأتراك تؤذي العوام بمدينة السلام حين يجري خيولهم في الأسواق وينال منها الضعفاء والصبيان ، فكان أهل بغداد ربّما صاروا ببعضهم فقتلوه عند صدمة المرأة أو شيخ كبير أو صبيّ أو ضرير ، فعزم المعتصم على النقلة منهم وأن ينزل في فضاء من الأرض فنزل الرازان  على أربعة فراسخ من بغداد فلم يستطب هواءها ولا اتسع له فضاؤها ، فلم يزل ينتقل إلى الموضع والأماكن من دجلة وغيرها حتّى انتهى إلى الموضع المعروف بالقاطول ؛ فاستطاب الموضع وكان هناك قرية يسكنها خلق من الجرامقة وناس من النبط على النهر المعروف ب « القاطول » أخذا من دجلة ، فبنى هناك قصرا ، وبنى الناس وانتقلوا من مدينة السلام وخلت من السكّان إلّا اليسير ، وكان فيما قاله بعض العيّارين في ذلك معيّرا للمعتصم بانتقاله عنهم :

أيا ساكن القاطول بين الجرامقه * تركت ببغداد الكباش البطارقه

ثمّ لحق به الأتراك وغلمانه ، وكان من جملتهم أشناس وأيتاخ ووصيف وسيما الدمشقي .

بناء المعتصم القاطول قرب سامرّاء

قال أحمد بن أبي يعقوب إسحاق بن جعفر بن وهب بن واضح الكاتب الأصبهاني - الشهير ب « اليعقوبي » وب « ابن واضح » من نوابغ القرن الثالث المتوفّى بعد سنة 278 - في تاريخ البلدان: فلمّا قدم المعتصم بغداد في منصرفه من طرطوس في السنة التي بويع له بالخلافة وهي سنة ثمان عشرة ومأتين ، نزل دار المأمون ثمّ بنى دارا في الجانب الشرقي من بغداد وانتقل إليها وأقام بها في سنة 218 و 219 و 220 و 221 وكان معه خلق من الأتراك وهم يومئذ عجم .

أعلمني جعفر الخشكي قال : كان المعتصم يوجّه بي في أيّام المأمون إلى سمرقند إلى نوح بن أسد في شراء الأتراك فكنت أقدم عليه في كلّ سنة منهم بجماعة ، فاجتمع له في أيّام المأمون منهم زهاء ثلاثة آلاف غلام ، فلمّا أفضت الخلافة إليه ألحّ في طلبهم واشترى ببغداد جماعة جملة منهم أشناس وكان مملوكا لنعيم بن حازم ، وأيتاخ كان مملوكا لسلام بن الأبرش ، ووصيف كان زرادا مملوكا لآل النعمان ، وسيما الدمشقي كان مملوكا لذي الرياستين الفضل بن سهل ؛ كان أولئك الأتراك العجم إذا ركبوا الدوابّ ركضوا فيصدمون الناس يمينا وشمالا فيبثّ عليهم الغوغاء فيقتلون بعضا ويضربون بعضا وتذهب دماؤهم هدرا لا يعتنون على من فعل ذلك .

فثقل ذلك على المعتصم وعزم على الخروج من بغداد فخرج على الشماسيّة وهو الموضع الذي كان المأمون يخرج إليه فيقيم به الأيّام والشهور ، فعزم أن يبني بالشماسيّة خارج بغداد مدينة فضاقت عليه أرض ذلك الموضع وكره أيضا قربها من بغداد فمشى إلى البردان بمشورة الفضل ابن مروان وهو يومئذ وزير ، وذلك في سنة إحدى وعشرين ومأتين ، وأقام بالبردان أيّاما ، وأحضر المهندسين ثمّ لم يرض الموضع فصار إلى موضع يقال له باحمشا من الجانب الشرقي من دجلة وعلى القاطول ، فابتدأ البناء وأقطع القوّاد والكتّاب والناس فبنوا حتّى ارتفع البناء واختطّت الأسواق على القاطول وعلى دجلة ، وسكن هو في بعض ما بني له ، وسكن بعض الناس أيضا ، ثمّ قال : أرض القاطول غير طائلة وإنّما هي حصا وأفهار والبناء بها صعب جدّا وليس لأرضها سعة ، ثمّ ركب متصيّدا فمرّ في مسيره حتّى صار إلى موضع سرّ من رأى صحراء من أرض الطيرهان لا عمارة بها ولا أنيس فيها إلّا دير النصارى .

سبب اختيار المعتصم سرّ من رأى دون غيرها

قال المسعودي في مروج الذهب : إنّ المعتصم لمّا تأذّى بالقاطول ونالته شدّة عظيمة لبرد الموضع وصلابة أرضه وتعذّر البناء فيه حىّ في ذلك يقول بعض من كان في الجيش :

قالوا لنا أنّ بالقاطول مشتانا * فنحن نأمل صنع اللّه مولانا

الناس يأتمرون الرأي بينهم * واللّه في كلّ يوم محدث شانا

فخرج المعتصم يتقرّى المواضع حتّى انتهى إلى موضع سامرّاء وكان هناك دير عادى النصارى فسأل بعض أهل الدير عن اسم الموضع فقال : يعرف بسامرّاء ، قال له المعتصم : وما معنى سامرّاء ؟ قال : نجدها في الكتب السالفة والأمم الماضية أنّها مدينة سام بن نوح . قال له المعتصم : ومن أيّ بلاد هي ؟ وإلى م تضاف ؟ قال :

من بلاد طبرهات وإليها تضاف . فنظر المعتصم إلى فضاء واسع تسافر فيه الأبصار  وهواء طيّب وأرض صحيحة فاستطاب هواءها وأقام هناك ثلاثا يتصيّد في كلّ يوم يجد نفسه تتوّق إلى الغذاء وتطلب الزيادة على العادة الجارية فعلم أنّ ذلك لتأثير الهواء والتربة ، فلمّا استطاب الموضع دعا بأهل الدير فاشترى منهم أرضهم بأربعة آلاف دينار وارتاد لبناء قصره موضعا فيها فأسّس بنيانه وهو الموضع المعروف ب « الوزيريّة » بسرّ من رأى ، وإليها يضاف التين الوزيري وهو أعذب إتيان وأرقّها قشرا وأصغرها حبّا ، لا يبلغه تين الشام ولا تين أهان وحلوان.

اشتياق المعتصم تمصير سامرّاء

فمرّ في مسيره حتّى صار إلى موضع سرّ من رأى وكان بها دير النصارى ، فوقف بالدير وكلّم من فيه من الرهبان وقال : ما اسم هذا الموضع ؟ قيل له : يسمّى سرّ من رأى وإنّه كان مدينة سام بن نوح ، وإنّه سيعمر بعد الدهور على يد ملك جليل مظفّر منصور له أصحاب كأنّ وجوههم وجوه طيور الفلاة ، ينزلها وينزل ولده بها . فقال : أنا واللّه أبنيها وأنزلها وينزلها ولدي ، أفلا أخبركم بما سمعت من أبي هارون الرشيد ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين .

قال : إنّ أبي هارون الرشيد أمر يوما أن يخرج ولده إلى الصيد ، فخرجت مع محمّد الأمين والمأمون وأكابر ولد الرشيد ، فاصطاد كلّ واحد منّا صيدا واصطدت بومة ثمّ انصرفنا وعرضنا صيدنا عليه ، فجعل من كان معنا من الخدم يقول : هذا صيد فلان ، وهذا صيد فلان حتّى عرض عليه صيدي ، فلمّا رأى البومة وقد كان الخدم أشفقوا من عرضها لئلّا يتطيّر بها أو ينالني منه غلظة ، فقال : من صاد هذه ؟

قالوا : أبو إسحاق ، فاستبشر وضحك وأظهر السرور ثمّ قال : أمّا إنّه يلي الخلافة ويكون جنده وأصحابه الغالبون عليه قوما وجوههم مثل وجه هذه البومة فيبني مدينة قديمة وينزلها هؤلاء القوم ثمّ ينزلها ولده من بعده ، وما سرّ الرشيد يومئذ بشيء من الصيد كما سرّ بصيدي لتلك البومة .

ثمّ عزم المعتصم على أن ينزل بذلك الموضع ، فأحضر محمّد بن عبد الملك الزيّات وابن أبي دؤاد وعمر بن فرج وأحمد بن خالد المعروف ب « أبي الوزير » وقال لهم :

اشتروا من أصحاب هذا الدير هذه الأراضي فادفعوا إليهم ثمنها أربعة آلاف دينار ، ففعلوا ذلك ، ثمّ أحضر المهندسين فقال : اختاروا أصلح هذه المواضع فاختاروا عدّة مواضع للقصور وصيّر إلى كلّ رجل من أصحابه بناء قصر .

صفة بناء سامرّاء وتمصيرها بأمر المعتصم

قال اليعقوبي : فصيّر إلى خاقان عرطوج أبي الفتح بن خاقان بناء الجوسق الخاقاني ، وإلى عمر بن فرج بناء القصر المعروف بالعمري ، وإلى أبي الوزير بناء القصر المعروف بالوزيري ، ثمّ خطّ القطائع للقوّاد والكتّاب والناس ، وخطّ المسجد الجامع ، واختطّ الأسواق حول المسجد الجامع ، ووسّعت صفوف الأسواق ، وجعلت كلّ تجارة منفردة ، وكلّ قوم على حدّتهم مثل ما رسمت عليه أسواق بغداد ، وكتب في أشخاص الفعلة والبنّائين وأهل المهن من الحدّادين والنجّارين وسائر الصناعات وفي حمل الساج وسائر الخشب والجذوع من البصرة وما والاها من بغداد وسائر السواد من أنطاكيّة وسائر سواحل الشام ، وفي حمل عملة الرخام وفرش الرخام فأقيمت باللاذقيّة وغيرها دور صناعة الرخام ، وأفرد قطايع الأتراك عن قطايع الناس جميعا وجعلهم معتزلين عنهم لا يختلطون بقوم من المولّدين ولا يجاورهم إلّا الفراغنة .

صفة قطايع سامرّاء وشوارعها

وأقطع أشناس وأصحابه الموضع المعروف بالكرخ ، وضمّ إليه عدّة من قوّاد الأتراك والرجال ، وأمره أن يبني المساجد والأسواق .

وأقطع خاقان عرطوج وأصحابه ممّا يلي الجوسق الخاقاني ، وأمر بضمّ أصحابه ومنعهم من الاختلاط بالناس .

وأقطع وصيفا وأصحابه ممّا يلي الحير ، وبنى حائطا سماّه حائر الحير ممتدّا ، وصيّرت قطايع الأتراك جميعا والفراغنة العجم بعيدة من الأسواق والزحام في شوارع واسعة ودروب طوال ليس معهم في قطائعهم ودروبهم أحد من الناس يختلط بهم من تاجر ولا غيره ، ثمّ اشترى لهم الجواري فزوّجهم منهنّ ومنعهم أن يتزوّجوا ويصاهروا إلى أحد من المولّدين إلى أن ينشأ لهم الولد فيتزوّج بعضهم إلى بعض ، وأجرى لجواري الأتراك أرزاقا قائمة ، وأثبت أسماءهنّ في الدواوين فلم يكن يقدر أحد منهم يطلّق امرأة ولا يفارقها .

ولمّا أقطع أشناس التركي في آخر البناء مغربا وأقطع أصحابه معه وسمّى الموضع الكرخ ، أمره أن لا يطلق الغريب من تاجر ولا غيره مجاورتهم ، ولا يطلق معاشرة المولّدين ، فوقع قوما آخرين فوق الكرخ وسمّاه الدور ، وبنى لهم في خلال الدور  والقطايع المساجد والحمّامات ، وجعل في كلّ موضع سويقة فيها عدّة حوانيت للفاميين والقصّابين ومن أشبههم ممّن لا بدّ لهم منه ولا غنى عنه ، وواقع الأفشين حيدر ابن كاوس الأشر سوني في آخر البناء شرقا على قدر فرسخين ، وسمّى الموضع المطيرة ، فأقطع أصحاب الأشر وسنيّة وغيرهم من المضمومين إليه حول داره ، وأمره أن يبني فيما هناك سويقة فيها حوانيت للتجّار فيما لا بدّ منه ومساجد وحمّامات .

واستقطع الحسن بن سهل بناء آخر الأسواق ، وكان آخرها الجبل الذي صار فيه خشبة بابك الخرّمي ، وبين المطيرة موضع قطيعة أفشين ، وليس في ذلك الموضع يومئذ شيء من العمارات ، ثمّ أحدقت العمارة به حتّى صار قطيعة الحسن بن سهل وسط سرّ من رأى ، وامتدّ بناء الناس من كلّ ناحية واتصل البناء بالمطيرة .

وجعلت الشوارع لقطايع قوّاد خراسان وأصحابهم من الجند والشاكريّة ، وعن يمين الشوارع ويسارها الدروب فيها منازل الناس كافّة .

الشارع الأعظم

وكان الشارع المعروف بالسريجة وهو الشارع الأعظم ممتدّا من المطيرة إلى الوادي المعروف في هذا الوقت بوادي إسحاق بن إبراهيم ؛ لأنّ إسحاق بن إبراهيم انتقل من قطيعته في أيّام المتوكّل فبنى على رأس الوادي واتسع في البناء ثمّ قطيعة إسحاق بن يحيى بن معاذ ، ثمّ اتصل قطايع الناس يمنة ويسرة في هذا الشارع الأعظم وفي دروب من جانبي الشارع الأعظم تنفذ إلى شارع يعرف بشارع أبي أحمد وهو أبو أحمد بن الرشيد من أحد الجانبين ، وتنفذ إلى دجلة وما قرب منها من الجانب الآخر ، وتمرّ القطايع إلى ديوان الخراج الأعظم وهو في هذا الشارع الكبير .

وفي هذا الشارع قطايع قوّاد خراسان منها قطيعة هاشم بن بانيجور ، وقطيعة عجيف بن عنبسة ، وقطيعة الحسن بن علي المأموني ، وقطيعة هارون بن نعيم ، وقطيعة حزام بن غالب ، وظهر قطيعة حزام الاصطبلات لدوابّ الخليفة الخاصّة والعامّة يتولّاها حزام ويعقوب أخوه ، ثمّ مواضع الرطابيين وسوق الرقيق في مربعة فيها طرق متشعّبة فيها الحجر والغرف والحوانيت للرقيق ، ثمّ مجلس الشرطة والحبس الكبير ومنازل الناس والأسواق في هذا الشارع يمنة ويسرة مثل سائر البيّاعات ، ويتّصل ذلك إلى خشبة بابك ثمّ السوق العظمى ، لا تختلط بها المنازل ، كلّ تجارة منفردة ، وكلّ أهل مهنة لا يختلطون بغيرهم ، ثمّ الجامع القديم الذي لم يزل يجمع فيه إلى أيّام المتوكّل ، فضاق على الناس فهدّمت وبنى مسجدا جامعا واسعا .

وفي طريق الحير المسجد الجامع والأسواق من أحد الجانبين ، ومن الجانب الآخر القطايع والمنازل والأسواق من أصحاب البيّاعات الدنيّة مثل أصحاب الفقاع والهرائس والشراب . وقطيعة مبارك المغربي وسويقة مبارك وجبل جعفر الخيّاط ، وفيه كانت قطيعة جعفر ، ثمّ قطيعة العبّاس بن علي ابن المهدي ، ثمّ قطيعة عبد الوهّاب ابن علي بن المهدي ، ويمتدّ الشارع وفيه قطايع عامّة إلى دار هارون بن المعتصم وهو الواثق عند دار العامّة وهي الدار التي نزلها يحيى بن أكثم في أيّام المتوكّل لمّا ولّاه قضاء القضاة ، ثمّ باب العامّة ودار الخليفة وهي دار العامّة التي يجلس فيها يوم الاثنين ، ثمّ الخزائن الخاصّة وخزائن العامّة ، ثمّ قطيعة مسرور وسمانة الخادم وإليه الخزائن ، ثمّ قطيعة قرقاش الخادم وهو خراساني ، ثمّ قطيعة ثابت الخادم ، ثمّ قطيعة أبي الجعفاء وسائر الخدم الكبار .

الشارع الأعظم والأطلال المجاورة له ( منظر جوّي )

الشارع الثاني

ويعرف بشارع أبي أحمد ؛ وهو أبو أحمد بن الرشيد . أوّل هذا الشارع من المشرق دار بختيشوع المتطبّب التي بناها في أيّام المتوكّل ، ثمّ قطايع قوّاد خراسان ومن العرب ومن أهل قم وأصبهان وقزوين والجبل وآذربايجان يمنة في الجنوب ممّا يلي القبلة فهو نافذ إلى شارع السريجة الأعظم . وما كان ممّا يلي الشمال ظهر القبلة فهو نافذ إلى شارع أبي أحمد ديوان الخراج الأعظم ، وقطيعة عمر ، وقطيعة للكتّاب وسائر الناس ، وقطيعة أبي أحمد بن الرشيد في وسط الشارع ، وفي آخره ممّا يلي الوادي الغربي الذي يقال له وادي إبراهيم بن رياح قطيعة ابن أبي داود وقطيعة الفضل بن مروان ، وقطيعة محمّد بن عبد الملك الزيّات ، وقطيعة إبراهيم بن رياح في الشارع الأعظم ، ثمّ تتّصل الاقطاعات في هذا الشارع وفي الدروب إلى يمنة ويسرة إلى قطيعة بغا الكبير ، ثمّ قطيعة سيما الدمشقي ، ثمّ قطيعة وصيف القديمة ، ثمّ قطيعة أيتاخ ، ويتّصل ذلك إلى باب البستان وقصور الخليفة .

الشارع الثالث

هو شارع الحير الأوّل الذي صارت فيه دار أحمد بن الخطيب في أيّام المتوكّل ، فأصل هذا الشارع من المشرق ومن الوادي المتّصل بوادي إسحاق بن إبراهيم ، وفيه قطايع الجند والشاكريّة وأخلاط الناس ، ويمتدّ إلى وادي إبراهيم بن رياح .

الشارع الرابع

ويعرف بشارع برغامش التركي ، فيه قطايع الأتراك والفراغنة ودروب الأتراك منفردة ودروب الفراغنة منفردة ، والأتراك في الدروب التي في القبلة والفراغنة بإزائهم بالدروب التي في ظهر القبلة كلّ درب بإزاء درب لا يخالطهم أحد من الناس ، وآخر منازل الأتراك وقطائعهم قطايع الخزر ممّا يلي المشرق ، أوّل هذا الشارع من المطيرة عند قطايع الأفشين التي صارت لوصيف وأصحاب وصيف ، ثمّ يمتدّ الشارع إلى الوادي الذي يتّصل بوادي إبراهيم بن رياح .

الشارع الخامس

ويعرف بصالح العبّاسي وهو شارع الأسكر ، فيه قطايع الأتراك والفراغنة ، والأتراك أيضا في دروب منفردة ، والفراغنة في دروب منفردة ، ممتدّ من المطيرة إلى دار صالح العبّاسي التي على رأس الوادي ، ويتّصل ذاك بقطايع القوّاد والكتّاب والوجوه والناس كافّة .

الشارع السادس

هو شارع الحير الجديد ، فيه أخلاط من الناس من قوّاد الفراغنة والأسر وشنيّة والأشناسيّة والخجنديّة وغيرهم من سائر كور خراسان ، وهذه الشوارع التي من الحير كلّما اجتمعت إلى إقطاعات القوم هدم الحائط ، وبني خلفه حائط غيره ، وخلف الحائط الوحش من الظباء والحمير والأيايل والأرانب والنعام ، وعليها حائط يدور في صحراء حسنة واسعة .

الشارع السابع

ويعرف بشارع الخليج وهو الذي كان على دجلة وهناك السفن والتجارات التي ترد من بغداد وواسط وكسكر وسائر السواد من البصرة والأبلة والأهواز وما اتصل بذلك ومن الموصل والجزيرة وديار ربيعة وغيرها . وفي هذا الشارع قطايع المغاربة كلّهم أو أكثرهم ، والموضع المعروف بالأزلاخ الذي عمّر بالرجالة المغاربة في أوّل ما اختطّت سرّ من رأى ، واتسع الناس في البناء بسرّ من رأى أكثر من اتساعهم ببغداد ، وبنوا المنازل الواسعة إلّا أنّ شربهم جميعا من دجلة ممّا يحمل في الروايا على البغال وعلى الإبل ؛ لأنّ آبارهم بعيدة الرشا ثم هي مالحة غير سائغة ، لها اتساع في الماء ولكن دجلة قريبة والروايا كثيرة .

وبلغت غلّات ومستغلّات سرّ من رأى وأسواقها عشرة آلاف ألف درهم في السنة ، وقرب مجمل ما يؤتى به من الميرة وللوصل وعربات وسائر ديار ربيعة في السفن في دجلة فصلحت أسعارهم .

إنشاء المعتصم العمارات والبساتين في الجانب الغربي من دجلة

قال اليعقوبي في البلدان، ص30 : لمّا فرغ المعتصم من الخطط ووضع الأساس للبناء في الجانب الشرقي من دجلة وهو جانب سرّ من رأى ، عقد جسرا إلى الجانب الغربي من دجلة فأنشأ هناك العمارات والبساتين والأجنّة وحفر الأنهار ومن دجلة وصيّر إلى كلّ قائد عمارة ناحية من النواحي ، وحمل النخل من بغداد والبصرة وسائر السواد ، وحملت الغروس من الجزيرة والشام والجبل والري وخراسان وسائر البلدان ، فكثرت المياه في هذه العمارة في الجانب الشرقي بسرّ من رأى ، وصلح النخل ، وثبتت الأشجار ، وزكت الثمار ، وحسنت الفواكه ، وحسن الريحان والبقل ، وزرع الناس أصناف الزرع والرياحين والبقول والرطاب ، وكانت الأرض مستريحة ألوف سنين فزكا كلّ ما غرس فيها وزرع بها حتّى بلغت غلّة العمارات بالنهر المعروف بالإسحاقي وما عليه والأيتاخي والعمري والعبد الملكي ودالية بن حماد والمسروري وسيف والعربات المحدثة وهي خمس قرى ، والقرى السفلى وهي سبع قرى ، والأجنّة والبساتين وخراج الزرع أربعمائة ألف دينار في السنة .

وأقدم المعتصم من كلّ بلد من يعمل عملا من الأعمال أو يعالج مهنة من مهن العمارة والزرع والنخل والغرس وهندسة الماء ووزنه واستنباطه والعلم بمواضعه من الأرض ، وحمل من مصر من يعمل القراطيس وغيرها ، وحمل من البصرة من يعمل الزجاج والخزف والحصر ، وحمل من الكوفة من يعمل الأدهان ، ومن سائر البلدان من أهل كلّ مهنة وصناعة ، وأنزلوا بعيالهم بهذه المواضع وأقطعوا فيها ، وجعل هناك أسواقا لأهل المهن بالمدينة .

وبنى المعتصم العمارات قصورا ، وصيّر في كلّ بستان قصرا فيه مجالس وبرك وميادين ، فحسنت العمارات ورغب وجوه الناس في أن يكون بها لهم أدنى أرض ، وتنافسوا في ذلك ، وبلغ الجريب من الأرض مالا كبيرا . ثمّ مات المعتصم سنة 227 .

قال المسعودي في مروج الذهب : لمّا ارتفع البنيان وأحضر له الفعلة والصنّاع وأهل المهن من سائر الأمصار ، ونقل إليها من سائر البقاع أنواع الغروس والأشجار ، فجعل للأتراك أقطاعا متحيّزة وجاورهم بالفراغنة والأشر وسنيّة وغيرهم من مدن خراسان على قدر قربهم منهم في بلادهم ، وأقطع أشناس التركي وأصحابه من الأتراك الموضع المعروف بكرخ سامرّاء ، ومن الفراغنة من أنزلهم الموضع بالعمري والحير ، واختطّت الخططت واقتطعت القطايع والشوارع والدروب ، وأفرد أهل كلّ صنعة بسوق وكذلك التجّار ، فبنى الناس وارتفع البنيان وشيّدت الدور والقصور وكثرت العمارة واستنبطت المياه وجرت من دجلة وغيرها ، وتسامع الناس أنّ دار الملك قد اتخذت فقصدوها وجهّزوا إليها من أنواع الأمتعة وسائر ما ينتفع به الناس من الحيوان وغيرها ، وكثر العيش واتسع الرزق ، وشملهم الإحسان ، وعمّهم العدل ، وكان بدء ما وصفناه سنة 221 .

عمارة سامرّاء في عصر الواثق باللّه ابن المعتصم

قال اليعقوبي : لمّا توفّي المعتصم في سنة سبع وعشرين ومأتين ولي الخلافة ابنه هارون الواثق فبنى القصر المعروف بالهاروني على دجلة وجعل فيه مجالس في دكّة شرقيّة ودكّة غربيّة وانتقل إليه وزادت الإقطاعات وقرّب قوما وباعد ديار قوم على الأخطاء لا على الأبعاد ، فأقطع وصيفا دار أفشين التي بالمطيرة ، وانتقل وصيف عن داره القديمة إلى دار أفشين ولم يزل يسكنها ، وكان أصحابه ورجاله حوله ، وزاد في الأسواق وعظمت الفرض التي تردها السفن من بغداد وواسط والبصرة والموصل ، وجدّد الناس البناء وأحكموه وأتقنوه لما علموا أنّها قد صارت مدينة عامرة ، وكانوا قبل ذلك يسمّونها العسكر ، ثمّ توفّي الواثق في سنة 232 .

عمارة سامرّاء في عصر المتوكّل ؛ جعفر بن المعتصم

قال : لمّا توفّي الواثق ولي جعفر المتوكّل فنزل قصر الهاروني وآثره على جميع قصور المعتصم ، وأنزل ابنه محمّد المنتصر قصر المعتصم المعروف بالجوسق ، وأنزل ابنه إبراهيم المؤيّد بالمطيرة ، وأنزل ابنه المعتزّ خلف المطيرة شرقا بموضع يقال له بلكوار ، فاتصل البناء من بلكوار إلى آخر الموضع المعروف بالدور مقدار أربعة فراسخ ، وزاد في شوارع الحير شارع الأسكر والشارع الجديد .

بناء المسجد الجامع والملوية

وبنى المسجد الجامع في أوّل الحير في موضع واسع خارج المنازل ، لا يتّصل به شيء من القطائع والأسواق ، وأتقنه ووسّعه وأحكم بناءه وجعل فيه فوّارة ماء لا ينقطع ماؤها ، وجعل الطرق إليه من ثلاثة صفوف واسعة عظيمة من الشارع الذي يأخذ من وادي إبراهيم بن رياح ، في كلّ صفّ حوانيت فيها أصناف التجارات والصناعات والبيّاعات ، عرض كلّ صفّ مائة ذراع بالذراع المتعارف لئلّا يضيق عليه الدخول إلى المسجد إذا حضر المسجد في الجمع في جيوشه وجموعه وبخيله ورجله .

ومن كلّ صفّ الذي يليه دروب وسكك فيها قطايع جماعة من عامّة الناس فاتسعت على الناس المنازل والدور واتسع أهل الأسواق والمهن والصناعات في تلك الحوانيت والأسواق التي في صفوف المسجد الجامع . وأقطع نجاح بن سلمة الكاتب في آخر الصفوف ممّا يلي قبلة المسجد ، وأقطع أحمد بن إسرائيل الكاتب أيضا بالقرب من ذلك ، وأقطع محمّد بن موسى المنجّم وإخوته وجماعة من الكتّاب والقوّاد والهاشميّين وغيرهم .

وقال المسعودي في مروج الذهب : إنّ المتوكّل بنى مسجدا جامعا فأعظم النفقة عليه وأمر برفع منارة لتعلوا أصوات المؤذّنين فيها وينظر إليها من فراسخ ، فجمع الناس فيه فتركوا المسجد الأوّل واشتقّ من دجلة قناتين شتويّة وصيفيّة تدخلان الجامع وتتخلّلان شوارع سامرّاء ، واشتقّ نهرا آخر وقدّر للدخول الحير ، فمات قبل أن يتمّ ، وحاول المنتصر تتميمه فلقصر أيّامه لم يتمّ ، ثمّ اختلف الأمر بعده فبطل النهر وكان المتوكّل أنفق عليه سبعمائة ألف دينار .

الجامع الكبير : منظر قطعة من الجدار

وقال البلاذري في فتوح البلدان : وبنى المتوكّل مسجدا جامعا كبيرا ، وأعظم النفقة عليه ، وأمر برفع منارة لتعلو أصوات المؤذّنين فيها حتّى نظر إليها من فراسخ فجمع الناس فيه فتركوا المسجد الأوّل - يعني الذي بناه المعتصم - .

وقال ابن العماد الحنبلي نقلا عن الشذور : قد تمّ جامع سرّ من رأى فبلغت النفقة عليه ثلاثمائة آلاف وثمانية آلاف ومأتين واثنى عشر دينارا .

وقال محمّد خداوند شاه الشافعي في خاتمة كتابه روضة الصفا : إنّ سامرّاء كانت من قديم الزمان موصوفة بالعمارات العالية وتعدّ من الأمصار المعتبرة العظيمة ، وإنّها كانت أطيب بلاد العراق هواء وأعذبها ماء ، ولأجل ذلك سمّيت سرّ من رأى ، ثمّ إنّها خربت وخرابها بلغ الغاية إلى أوان الدولة العبّاسيّة ، فلمّا ولي المعتصم وهو ثامنهم أخذ في عمارتها وتمصيرها وانتقل إليها فصارت أكبر أمّهات البلاد من كثرة القصور الشاهقة والأبنية الجليلة ، فبلغ طولها سبعة فراسخ .

وإنّ المعتصم أمر عسكره أن يملئوا مخاليهم من التراب ونبذوه في فضاء واسع حتّى صار جبلا عظيما ثمّ بنى عليه قصرا عاليا وأعظم النفقة عليه وأسّس بنيان المسجد الجامع واتسع فضاؤها وارتفع بنيانها وأكثر النفقة عليها ، وجعل في وسط المسجد آنية كبيرة من صخرة ملساء قطرها نصف الذراع وأطرافها ثلاثة وعشرون ذراعا وارتفاعها سبعة أذرع ، وفي جنب المسجد بنى منارة طولها مائة وسبعون ذراعا وكانوا يصعدون عليها من الخارج وهي من عجائب الأبنية حتّى قيل : لم يخلق مثلها قبل ذلك ، انتهى .

وهي الآن موجودة في شمالي سامرّاء الحاليّة ويقال لها « الملوية » لالتواء بنائها الهندسي على شكل مخروطي ، يقصدها الزائرون للبلدة ، وهي واقعة في شمال جامع المتوكّل .

الملوية : مأذنة الجامع الكبير

وسبب بنائها على هذه الصورة هو ما ذكره اليعقوبي في البلدان قال : أنفق عليه - يعني أحمد بن طولون على الجامع - مائة وعشرين ألف دينار ، وقال له الصنّاع : على أيّ مثال نعمل المنارة - وما كان يعبث قطّ في مجلس - ؟ فأخذ درجا من الكاغذ وجعل يعبث به فخرج بعضه وبقي بعضه في يده فعجب الحاضرون فقال : اصنعوا المنارة على هذا المثال ، فصنعوها . ولمّا تمّ بناء الجامع رأى أحمد بن طولون في منامه كأنّ اللّه تعالى قد تجلّى للمقصورة التي حول الجامع ولم يتجلّ للجامع ، فسأل المعبّرين فقالوا : يخرب ما حوله ويبقى قائما وحده . فقال : من أين لكم هذا ؟ قالوا : من قوله تعالى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وقوله صلّى اللّه عليه واله : « إذا تجلّى اللّه لشيء خضع له » وكان كما قالوا .

وجاء في كتاب الآثار العراقيّة : إنّ أضخم وأبرز العمارات الباقية من مدينة سامرّاء القديمة هو الجامع الكبير المذكور في الكتب القديمة باسم المسجد الجامع ، ومأذنته المعروفة بين الناس باسم الملوية . والملوية مأذنة مخروطيّة الشكل تستند إلى قاعدة مربّعة يصعد إلى قمّتها من سطح مائل عريض يدور حولها من خارجها دوران الحلزون ، يبلغ طول ضلع القاعدة اثنين وثلاثين مترا غير أنّ قطر القمّة يصبح ستّة أمتار ، أمّا مجموع ارتفاع المأذنة عن سطح الأرض فيبلغ اثنين وخمسين مترا . تبدأ المرقاة الحلزونيّة التي تضمن الصعود إلى القمّة من وسط الضلع الجنوبي المقابل لجدار الجامع نفسه وتدور حول محور المأذنة باتجاه معاكس لا تجاه دوران عقرب الساعة خمس مرّات إلى أن تصل إلى باب القمّة الذي ينفتح هو أيضا في وسط القسم الجنوبي ، والقمّة تكون أسطوانة يبلغ ارتفاعها ستّة أمتار وهي مزدانة بروازين عمياء مدبّبة العقد ومتقعّرة السطح ، عدد هذه الروازين العمياء ثمان غير أنّ إحداها تقوم مقام باب ينفذ إلى داخل الأسطوانة ، ويوصل إلى ذروييها بواسطة درج حلزوني يدور داخلها حول محورها وتدلّ المعالم الموجودة على أنّ هذه القمّة كانت متوّجة بسقيفة خشبيّة . تقع هذه المأذنة خارج الجامع على بعد خمسة وعشرين مترا من ضلعه الشمالي ، كانت الملوك تعرّضت إلى تخريبات كثيرة ولا سيّما في قاعدتها وفي لوالبها الأولى حتّى أنّ معالم قاعدتها كادت تزول تماما فقامت مديريّة الآثار العراقيّة بإعمال الصيانة اللازمة لها خلال سنة 1937 ميلادي فأظهرت أسس القاعدة وأعادت بناءها وعمّرت اللوالب كما أعادت المرقاة  .

الملوية بعد إعمال الصيانة والتعمير

ولنذكر نقاط رئيسيّة من ريّ سامرّاء « 1 » مضافا على ما ذكرنا ، قال : إنّ المتوكّل بنى مسجدا جامعا كبيرا وأعظم النفقة عليه ، ويمتاز هذا الجامع مع مأذنته من بقيّة الجوامع بفسحه وضخامته وبمأذنته الغريبة . أمّا بناء الجامع فلم يبق منه غير جدرانه الخارجيّة التي تحيط بساحته مستطيلة طولها 240 متر وعرضها 158 متر ، ويبلغ ارتفاع الجدران زهاء عشرة أمتار ، وثخنها حوالي المترين ، وهي مبنيّة بالآجر . ويستدلّ من استكشاف هرزفلد على أنّه كان في حرم المسجد 25 رواقا ، والأوسط منها أكثر اتساعا من البقيّة ، وجملة عدد الأعمدة 488 عمود ، وكانت السقوف ترتكز على العمد مباشرة دون طبقات من البناء ، وكان في وسط المسجد فوّارة عظيمة وهي التي ذكرها ووصفها المستوفي بأنّها كانت من قطعة واحدة من الحجر محيطها 23 ذراع وارتفاعها سبعة أذرع ، وثخنها نصف ذراع ، وكانت تعرف ب « كأس فرعون » . وروى المستوفي أيضا أنّ مأذنة المسجد كان ارتفاعها 170 ذراعا يرقى إليها من الخارج وهي منفردة في طرزها ، ولم يبن نظيرها من قبل .

وقد أثبتت حفريّات هرزفلد أنّ الأساس الأسطواني لقاعدة الفوّارة كان مبنيّا بالطوب ومؤنة الجير والرماد . أمّا كأسها فكانت مرتكزة على قاعدة مكسوّة بالرخام وقد عثر بجوار الفوّارة خارج الأساس الأسطوانيّ على قطع من أعمدة الرخام والتيجان ، وعلى زخارف جصيّة منقوشة ومذهّبة ومحلّات بالفسيفساء الزجاجيّة ولذلك يظنّ أن قد كانت سقيفة من الخشب محمولة على دائرة من الأعمدة مرفوعة فوق هذه الناقورة المسماّة « كأس فرعون » .

وقد ثبت لنا من تدقيقاتنا أنّ الفوّارة هذه كانت تستمدّ مياهها من القناة التي أنشأها المتوكّل لإيصال المياه إلى مدينة سرّ من رأى وهي القناة التي كانت تبدأ من شمال الدور فتسير إلى مسافة حوالي أربعين كيلومترا حتّى تصل إلى العاصمة .

إلى أن قال : وقد بلغت النفقة على المسجد خسمة عشر ألف ألف درهم - كما روى ياقوت الحموي - أو يساوي ستّمأة ألف دينار . أمّا تاريخ إنشائه فقد ذكر سبط ابن الجوزي أنّ بدء بنائه سنة 234 هجري وسنة 849 ميلادي وكان الانتهاء منه في سنة 237 . إلى حالتها السابقة سنة 1355 هجريّة .

وأمّا الجامع نفسه فلم يبق منه شيء قائم غير جدرانه الخارجة التي تحيط بساحة مستطيلة طولها نحو مائتين وأربعين مترا ، وعرضها مائة وستّين مترا ، وثخن الجدران لا يقلّ عن مترين ، وارتفاعها يناهز عشرة أمتار ، ومع هذا فهي مدعومة عن خارجها بأبراج نصف أسطوانيّة يبلغ عددها أربعين برجا ؛ أربعة منها في الأركان ، وثمانية في كلّ ضلع من الضلعين الجنوبي والشمالي ، وعشرة في كلّ ضلع من الضلعين الشرقي والغربي ، وإنّ قطع الجدار الواقعة بين الأبراج مزدانة في قسمها الأعلى بستّ خسفات مربّعة ، يظهر في وسط كلّ واحدة منها خسفة مستديرة مقعّرة ، اكتسب الجدار رونقا وجمالا ، ويظهر على كلّ قطعة من قطع الجدار هذه شقّ شاقوليّ منتظم لا شكّ في أنّه كان يحتوي على المواسير المخصصة لتصريف مياه الأمطار التي تهتدّ على سطح الجامع ، وليس للجدران نوافذ إلّا في القسم الأعلى من الضلع الجنوبي حيث توجد سلسلة نوافذ تظهر هذه النوافذ من الخارج كفتحات ضيقة مستطيلة غير أنّها تأخذ من الداخل هيئة شبابيك جميلة ، يتألّف كلّ واحد منها من دخلة مستطيلة الشكل ، يظهر داخلها عمودان من الآجر يحملان طاقا مكوّنا من خمس حنايا ، ويقع المحراب في منتصف هذا الضلع وينفتح في طرفيه بابان يؤدّيان إلى بناية صغيرة كانت قائمة خلف المحراب ، وإنّ المحراب كان قد تهدّم فأخذ شكل باب غير أنّ مديريّة الآثار القديمة أبرزت معالمه من تحت الإنقاض وأعادت بناء القسم الأسفل منه لإعطاء فكرة عامّة عن سابق وضعه .

ويلاحظ في ساحة الجامع بين جدرانه الأربعة سلسلة آكام تدلّ على مواقع الأعمدة وتساعد على تصوّر منظر الجامع الداخلي في حالته الأصليّة ، وكان في وسط الجامع صحن مكشوف يتوسّط نافورة كبيرة مدوّرة ، وكان بين هذا الصحن والجدران سلسلة أعمدة تكون أروقة وبلاطات عددها عشرة في الجنوب ، وأربعة في الشمال ، وخمسة في كلّ من الشرق والغرب ، وإنّ كلّ صفّ من صفوف الأعمدة التي تمتدّ موازية للضلعين الجنوبي والشمالي يتألّف من أربعة وعشرين عمودا ، وأمّا كلّ صفّ من صفوف الأعمدة التي تمتدّ موازية للضلعين الشرقيّ والغربي فكان يتألّف من أربعة وثلاثين عمودا . وأمّا عدد الأعمدة التي تحدّد الصحن فكان عشرين عمودا في كلّ من الضلعين الشرقي والغربي ، وأربعة عشر في كلّ من الضلعين الشمالي والجنوبي ما عدا الكائنة في الزوايا الأربع من الصحن ، فكان عدد الأروقة التي تفضي إلى الصحن خمسة عشر في الشمال والجنوب ، واثنين وعشرين في الشرق والغرب . وأمّا عدد الأروقة الموازية للضلع الجنوبي فكان عشرة ، والموازية لكلّ من الضلعين الشرقي والغربي خمسة ، والموازية للضلع الشمالي أربعة ، وإنّ جميع الأعمدة كانت مبنيّة بالآجر وقائمة على قواعد مربّعة غير أنّها كانت تأخذ شكلا مثمّنا فوق القاعدة ، تاركة بذلك محلّا لركز عمود رخامي في كلّ زاوية من زواياها الأربع ، وهذه الأعمدة كانت تحمل السقف الخشبي مباشرة دون أن ترتبط بطوق وعقود .

فيظهر من التفاصيل الآنفة الذكر أنّ الجامع المذكور كان شبيه من حيث الترتيبات الداخليّة والتخطيط العام للمساجد التي شيّدت في العصور الأولى للهجرة في الكوفة وواسط والقاهرة والقيروان وسائر البلدان ، والفرق بين جامع سامرّا وتلك الجوامع ينحصر من حيث التخطيط العام في الأبعاد وفي عدد الأعمدة والبلاطات وفي كيفيّة التسقيف ، غير أنّ هذا الجامع يمتاز عن جميعها بفسحته وضخامته أوّلا ، وبمأذنته ثانيا .

وكان الجامع محاطا من جميع جهاته بساحة فسيحة مسوّرة بجدار تظهر معالمه للأنظار من بعض المحلّات المرتفعة ، وكان طول هذا السور أربعمائة وأربعة وأربعين مترا ، وعرضه ثلاثمائة وستّة وسبعين مترا .

أمّا تاريخ بنائه كما يذكر سبط ابن الجوزي : إنّ المتوكّل بدأ ببنائه في سنة مائتين وأربع وثلاثين ، والانتهاء منه في سنة مأتين وسبع وثلاثين .

ويذكر ياقوت الحموي بأنّ البناء بلغة قيمته خمسة عشر ألف ألف درهم .


كثرة قصور سامرّاء والأبنية الجليلة فيها

قال المسعودي في مروج الذهب في تاريخ المتوكّل : لم يبن أحد من الخلفاء بسرّ من رأى من الأبنية الجليلة مثل ما بناه المتوكّل ، ثمّ عدّ خمسة عشر قصرا ونحن نذكر ما عثرنا عليه منه ومن غيره على ترتيب الحروف :

الأحمدي

قال الحموي في المعجم : الأحمدي اسم قصر كان بسامرّاء ، عمّره أبو العبّاس أحمد بن المعتمد على اللّه بن المتوكّل فسمّي به .

وقال بعض أهل الأدب : اجتزت بسامرّاء فرأيت على جدار من جدران القصر المعروف بأحمدي مكتوب عليه هذه الأبيات :

في الأحمديّ لمن يأتيه معتبر * لم يبق من حسنه عين ولا أثر

غارت كواكبه وانهدّ جانبه * ومات صاحبه واستفظع الخبر

وقال في المراصد والمنجّم : إنّ الأحمدي - بياء النسبة - اسم لقصر كان بسامرّاء ، عمّره أبو العبّاس أحمد بن المعتمد على اللّه ابن المتوكّل .

قصر الأشناس

في شمال سامرة الحالية وغرب سامرة القديمة في موضع يقال له الكرخ ، يعرف اليوم عند أهالي سامرة بشناس ، وهبه المعتصم لأشناس كما تقدّم ، وكان أشناس من أتراك العجم ، وكان مملوكا للفضل بن سهل ذي الرياستين اشتراه المعتصم .

وقال اليعقوبي : كان مملوكا لنعيم بن حازم أبي هارون بن نعيم . فعلا قدره وعظم شأنه حتّى صار من أمراء عسكر المعتصم وكان شجاعا باسلا ، وكان في مقدّمة الجيش الذي وجّهه المعتصم لأخذ بابك الخرّمي الآتي ذكره بصورة تفصيليّة ، وأشرنا إليه فيما تقدّم إجمالا ، وكذا وجّهه المعتصم لفتح العموريّة الروم .

قصر البديع

قال في المعجم : بديع - بالفتح ثمّ الكسر وياء ساكنة وعين مهملة - اسم بناء عظيم للمتوكّل بسرّ من رأى ، ومثله في القاموس ، وكان قصر البديع من الأبنية الجليلة في سامرّاء .

قصر البرج

قال المسعودي في مروج الذهب : قصر البرج أنفق عليه المتوكّل عشرة آلاف ألف درهم .

وفي البلدان لليعقوبي : أنفق على البرج ألف ألف وسبعمائة ألف دينار .

قصر بزگوار

وفي بعض النسخ بلكوار . قال في المعجم في حرب الباء : اسم بيت بناه المتوكّل في قصر له بسرّ من رأى . فقال بعضهم يذكره بعد خرابه ، وكتب على حائطه هذه الأبيات :

هذي ديار ملوك دّبروا زمنا * أمر البلاد وكانوا سادة العرب

عصى الزمان عليهم بعد طاعته * فانظر إلى فعله بالجوسق الخرب

وبزكوار وبالمختار قد خليا * من ذلك العزّ والسلطان والرتب

المنقور : بقايا القصر الجنوبي

وجاء في كتاب الآثار العراقيّة : يقع المنقور في أقصى جنوب سامرّاء وهو القصر المذكور في التواريخ باسم بزكوار وبلكوار ، بناه المتوكّل لابنه المعتزّ . قام هرتسفيلد بتنقيبات كبيرة في هذا القصر قبل الحرب العالميّة ، ورسمه المومى إليه حسب مشاهداته برسمين يريان منظر الجدارين القائمين إلى الآن ، والزخارف الجصيّة التي كانت تكسو الجدران المذكورة عندما اكتشفها هرتسفيلد ، ويظهر من رسمه الصورة أنّ هذا القصر كان من أفسح وأضخم القصور ، طول سوره الخارجي ألف ومائتا متر ، ومساحته تزيد على ثلاثة أضعاف مساحة مدينة سامرّاء الحالية . يرتفع القصر على جرف صخري يبلغ علوّه خمسة عشر مترا ، ويمتدّ تحت هذا القصر المرتفع حديقة فسيحة تظهر فيها آثار مبان متفرّقة .

قال اليعقوبي : وأنزل المتوكّل ابنه المعتزّ خلف المطيرة مشرقا بموضع يقال له بلكوار إلى آخر الموضع المعروف بالدور .

لقد اختلف المؤرّخون في تسمية هذا القصر ؛ فسماّه ياقوت والطبري باسم بزكوار ، والشابشتي وابن سرابيون باسم بركوارا ، واليعقوبي باسم بلكوار .

ذكر في ريّ سامرّاء وقال : وكان للبناء ثلاثة أبواب تقع في منتصف الجدران الثلاثة غير المطلّة على النهر أي الشماليّة والشرقيّة والغربيّة ، يخترق البناء شارعان رئيسيّان متقاطعان ، وكان البناء يشتمل على مجموعة من المنازل للمشاة والحرس ، وكان من ضمن القصر حديقة يحيط بها سور ذو دعامات أو قصور وينتهي عند الشاطي نفسه سقيفات غنيّة بالزخارف ، وإلى جانب الحديقة مرقاة للسفن ، وفي وسطها حوض للماء .

وقال الشابشتي في كتابه الديارات : وبنى المتوكّل قصره المعروف ببركوارا ، ولمّا فرغ من بنائه وهبه لابنه المعتزّ وكان من أحسن أبنية المتوكّل وأجلّها ، وبلغت النفقة عليه عشرين ألف ألف درهم .

أمّا موضع قصر بزكوار وتاريخ إنشائه فقد ذكر اليعقوبي أنّ المتوكّل أنزل ابنه المعتزّ خلف المطيرة مشرقا بموضع يقال له بلكوار ، فاتصل البناء من بلكوار إلى آخر الموضع ، وإنّ المتوكّل بنى مدينة جديدة سمّاها الجعفريّة واتصل البناء من الجعفريّة إلى الموضع المعروف بالدور ثمّ بالكرخ وسرّ من رأى مارّا إلى الموضع الذي كان ينزله ابنه أبو عبد اللّه المعتزّ ، ليس بين شيء من ذلك فضاء فارغ ولا موضع إلّا عمارة فيه ، فكان مقدار ذلك سبعة فراسخ .


قصر البهو

قال المسعودي في مروج الذهب : أنفق عليه المتوكّل خمسة وعشرين ألف ألف درهم .

قصر التل

قال في مروج الذهب : أنفق عليه المتوكّل خمسة آلاف ألف درهم ؛ علوّه وسفله .

والذي يظهر من التواريخ أنّ قصر التل اثنان . قال محمّد خداوند شاه في خاتمة روضة الصفا : إنّ المعتصم أمر عساكره أن يملأوا مخالبهم من التراب الأحمر ونبذوه في فضاء واسع حتّى صار جبلا عظيما ، ثمّ بنى عليه قصرا عاليا وأعظم النفقة عليه .

وأمّا تلّ العليق الذي يعرف باسم تلّ العليج عند أهالي سامرّاء ، فقد ادّعى هرتسفيلد الألماني أنّه موضع قصر كما جاء في كتاب الآثار القديمة العراقيّة : إنّ تلّ العليق يقع في الجبهة الشماليّة من الجامع ، والشماليّة الشرقيّة من بيت الخليفة .

وقال : إنّ صورة الرسم المأخوذة ترى منظر التلّ من جهة الشمال حيث تظهر في الأفق خرائب بيت الخليفة من جهة ، والمسجد والجامع والملوية من جهة أخرى .

وذلك التلّ محاط بخندق عريض دائري ، والضفة الخارجيّة من الخندق المذكور محدودة بسور منتظم ، ارتفاع التلّ عن السهل المجاور نحو خمسة وعشرين مترا .

وأمّا عمق الخندق فنحو ثلاثة أمتار ، وقطر التلّ نحو مائتي متر . وأمّا قطر السور المحيط به وبالخندق فنحو أربعمائة وخمسين مترا .

ويعلّل الناس تسمية هذا التلّ برواية يتناقلونها أبا عن جدّ ، وهي أنّ التلّ تكون من التراب الذي نقله الجنود الخيّالة بعليق خيولهم ويروون أنّ الخليفة المتوكّل أراد أن يظهر كثرة جنوده بدليل عيانيّ محسوس ، فأمر بأن يملأ كلّ واحد من جنوده الخيّالة عليقه بالتراب ثمّ يرميه هناك والتلّ قد تكون من التراب الذي تجمع هذا الوجه . ومن المؤكّد أنّ التلّ اصطناعيّ وقد تكون على طريقة حفر خندق عريض مستدير ، وتكويم التراب الذي يرفع منه فوق الدائرة الباقية داخله .

ولقد درس هرتسفيلد الألماني هذا التل خلال تنقيباته في سامرّاء قبل الحرب العالميّة وعلم أنّه كان على قمّته قصر صغير مربّع الشكل مقسّم إلى تسع غرف متلاصقة واحدة في الوسط وأربعة متصلة بأضلاع هذه الغرفة على شكل اواوين مفتوحة ، والأربعة الأخرى بين أضلاع الأواوين المذكورة .

قال : ولا شكّ في أنّ القصد من تكوين هذا التلّ في وسط السهل ، وتشييد هذا القصر الصغير فوق التل كان للتفرّج على السهل من محلّ مرتفع يمتدّ فيه النظر وتكثر فيه الرياح . ويظهر أنّ الحير الذي يقول فيه اليعقوبي في البلدان « وخلف الحائط الوحش من الظباء والحمير والأيايل والأرانب والنعام » كان يقع حول هذا التل كما أنّ إحدى حلبات السباق كانت تبدأ من جهته الجنوبيّة .

ولكن الراوندي وغيره من المحدّثين يذكرون وجها آخر لتسميته بتلّ العليق .

قال الراوندي في الخرايج  في عداد معجزات أبي الحسن الهادي عليه السّلام ما هذا لفظه :

ومنها حديث تلّ المخالي ، وذلك أنّ المتوكّل أمر العسكر وهم تسعون ألف فارس من الأتراك الساكنين بسرّ من رأى أن يملأ كلّ واحد منهم مخلاة فرسه من الطين الأحمر ويجعلوا بعضه على بعض وسط برية واسعة هناك ، فلمّا فعلوا ذلك صار مثل جبل عظيم ثمّ صعد فوقه واستدعى أبا الحسن الهادي عليه السّلام وقال : استحضرتك لنظارة خيولي وقد كان أمرهم أن يلبسوا التجافيف ويحملوا الأسلحة وقد عرضوا بأحسن زينة وأتمّ عدّة وأعظم هيئة وكان غرضه أن يكسر قلب كلّ من يخرج عليه ، وكان خوفه من أبي الحسن عليه السّلام أن يأمر أحدا من أهل بيته أن يخرج على الخليفة . فقال له أبو الحسن : وهل تريد أن أعرض عليك عسكري ؟ قال : نعم .

قال : فدعا اللّه سبحانه وتعالى فإذا بين السماء والأرض من المشرق إلى المغرب ملائكة مدججون ، فغشي على الخليفة ، فقال له أبو الحسن عليه السّلام لمّا أفاق من غشوته : نحن لا ننافسكم في الدنيا ، نحن مشتغلون بأمر الآخرة ، فلا عليك منّي ممّا تظنّ بأس ؛ فلأجل ذلك سمّي الإمام أبو الحسن عليّ الهادي عليه السّلام بالعسكري .

قصر الدكّة

وكان في الحدود الشماليّة الغربيّة لساحة الحير قصر سمّي بالدكّة على ما ذكر في ريّ سامرّاء ، وقال : كان هذا القصر يقع على ضفة نهر القاطول الكسروي اليمنى في شرقي تلّ العليق وكان أمامه بركة مدوّرة تستمدّ مياهها من فرع ينشعب من قنات سامرّاء وهي القناة التي حفرها المتوكّل لإيصال مياه دجلة إلى مدينة سامرّاء كما كانت أمامه ساحة واسعة تبلغ مساحتها حوالي 1500 دونم ( مشارة ) وكانت الساحة مدوّرة بجدار على شكل مستطيل قائم الزوايا يمتدّ الضلع الشمالي مسافة حوالي كيلومترين ونصف بين ضفة القاطول الكسروي وتلّ العليق .

إلى أن قال : وقد ذكر الطبري موقع الدكّة فيما رواه عن حادثة صالح بن وصيف سنة 256 ، وجاء ذكر موقع قصر الدكّة أيضا بمناسبة أخرى في الطبري ويرجّح أن يكون قصر الدكّة المذكورة القصر الذي كان يعرف باسم قصر الساج بدليل أنّ البحتري لمّا وصف هذا القصر لم أجد أثر آخر ينطبق عليه وصف البحتري وإنّ هذا القصر يقع خارج سامرّاء في ساحة خضراء مليئة الأشجار المورقة والمزهرة والمثمرة ، وهذا نصّ أبيات البحتري في وصف القصر :

شجر على خضر ترفّ غصونه * من مزهر أو مثمر أو مورق

وكأنّ قصر الساج حلّة عاشق * برزت لوامقها بوجه مونق

قصر تكامل حسنه في قلّة * بيضاء واسطة لبحر محدق

دانى المحل فلا المزار بشاسع * عمّن يزور ولا الفناء بضيّق

قدّرته تقدير غير مفرّط * وبنيته بنيان غير مشفّق

ووصلت بين الجعفريّ وبينه * بالنهر يحمل من جنوب الخندق

نهر كأنّ الماء في حجراته * إفرند متن الصارم المتأنّق

فإذا الرياح لعبن فيه بسطن من * موج عليه مدرّج مترقرق

ألحقه يا خير الورى بمسيره * وامدد فضول عبابه المتدفّق

قصر الجعفري

قال الحموي في المعجم في حرف الجيم : بناه جعفر المتوكّل على اللّه ابن المعتصم قرب سامرّاء قصرا بموضع يسمّى الماحوزة فاستحدث عنده مدينة وانتقل إليها وأقطع القوّاد منها قطايع فصارت أكبر من سامرّاء ، شقّ إليها نهرا فوهته على عشرة فراسخ من الجعفري يعرف بجبّة دجلة ، وفي هذا القصر قتل المتوكّل في شوّال سنة 247 فعاد الناس إلى سامرّاء .

وفي كتاب أبي عبد اللّه بن عبدوس قال : وفي سنة خمس وأربعين ومائتين بنى المتوكّل الجعفري وأنفق عليه ألفي ألف دينار ، وكان المتولّي لذلك دليل بن يعقوب النصراني كاتب بغا الشرابي ، وكان كلّ دينار في أيّام المتوكّل خمسة وعشرين درهما .

قال : ولمّا عزم المتوكّل على بناء الجعفري تقدّم إلى أحمد بن إسرائيل بأن يختار رجلا يتقلّد المستغلّات بالجعفري من قبل أن يبنى وإخراج فضول ما بناه الناس من المنازل فسمّى له أبا الخطّاب الحسن بن محمّد الكاتب فكتب أبو الخطّاب الحسن بن محمّد إلى أبي عون لمّا دعا إلى هذا العمل :

إنّي خرجت إليك من أعجوبة * ممّا سمعت به ولمّا تسمع

سمّيت للأسواق قبل بنائها * ووليت فضل قطائع لم تقطع

فلمّا انتقل المتوكّل من سامرّاء إلى الجعفري انتقل معه عامّة أهل سامرّاء حتّى كادت تخلو فقال في ذلك أبو علي البصري الحسين بن الضحّاك هذه الأبيات :

إنّ الحقيقة غير ما يتوهّم * فاختر لنفسك أيّ أمر تعزم

أتكون في القوم الذين تأخّروا * عن حظّهم أم في الذين تقدّموا

لا تقعدنّ تلوم نفسك حين لا * يجدي عليك تلوّم وتندّم

أضحت قفارا سرّ من راما بها * إن لم تكن تبكي بعين تسجم

كانت تظلّم كلّ أرض مرّة * منهم فصارت بعدهنّ تظلّم

رحل الإمام فأصبحت وكأنّها * عرصات مكّة حين يمضي الموسم

وكأنّما تلك الشوارع بعد ما * أخلت أياد من البلاد وجرهم

كانت معادا للعيون فأصبحت * عظة ومعتبرا لمن يتوسّم

وكأنّ مسجدها المشيد بناؤه * ربع أحال ومنزل مترسّم

وإذا مررت بسوقها لم تثن عن * سنن الطريق ولم تجد من يرحم

وترى الذراري والنساء كأنّهم * خلف أقام وغاب عنه القيّم

فارحل إلى الأرض التي ينحلّها * خير البريّة إنّ ذاك لأحزم

وانزل مجاورة بأكرم منزل * وتيمّم الجهة التي يتيمّم

أرض تسالم صيفها وشتاؤها * فالجسم بينهما يصحّ ويسلم

وصفت مشاربها ورقّ هواؤها * والتذّ برد نسيمها المتنسّم

سهليّة جبليّة لا تحتوي * حرّا ولا قرّا ولا تستوخم

وللشعراء في ذكر الجعفري أشعار كثيرة ، ومن أحسن ما قيل فيه قول البحتري :

قد تمّ حسن ( الجعفري ) ولم يكن * ليتمّ إلّا بالخليفة جعفر

في رأس مشرفة حصاها جوهر * وترابها مسك يشاب بعنبر

مخضرّة والغيث ليس بساكب * ومضيئة والليل ليس بمقمر

ملأت جوانبها السماء وعانقت * شرفاتها قطع السحاب الممطر

أزرى على همم الملوك وغضّ عن * بنيان كسرى في الزمان وقيصر

عال على لحظ العيون كأنّما * ينظرن منه إلى بياض المشتري

وشير دجلة تحته وفضاؤه * من لجّة غمر وروض أخضر

شجر تلاعبه الرياح فتنثني * أعطافه في سائح متفجّر

أعطيته محض الهوى وخصصته * بصفاء ودّ منك غير مكدّر

قال ابن خلّكان في وفيات الأعيان في ترجمة أبي العيناء محمّد بن القاسم بن الخلّاد الأهوازي البصري : إنّه دخل على المتوكّل في قصره المعروف بالجعفري سنة 246 ، فقال له : ما تقول في دارنا هذه ؟ فقال : إنّ الناس بنوا الدور في الدنيا وأنت بنيت الدنيا في دارك ؛ فاستحسن المتوكّل كلامه .

وقال ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة 245 : وفي هذه السنة أمر المتوكّل ببناء الماحوزة وسماّه الجعفري ، وأقطع القوّاد وأصحابه فيها ، وجدّ في بنائها ، وأنفق عليها فيما قيل أكثر من ألفي ألف درهم ، وكان يسمّيها هو وأصحابه المتوكّليّة ، وبنى فيها قصر أسماه لؤلؤ لم ير مثله في علوّه ، وحفر لها نهرا يسقي ما حولها ، فقتل المتوكّل فبطل حفر النهر وأخربت الجعفريّة .

ولا يخفى أنّ المتوكّليّة غير قصر الجعفري كما سنتلو عليك . والماحوزة اسم للمكان الذي بنا به الجعفري فعبارة الجزري لا تخلو عن مسامحة .

قال أبو الفداء في تاريخ المختصر : وفي سنة ست وأربعين ومائتين تحوّل المتوكّل إلى الجعفري وكان قد ابتدأ في عمارته سنة 245 وأنفق عليه أموالا تجلّ عن الحصر ، ويقال لمكانه ما حوزة .

وقال الحموي في المعجم عند ذكر سامرّاء : وكان المعتصم والواثق والمتوكّل إذا بنى أحدهم قصرا أو غيره أمروا الشعراء أن يعملوا فيه شعرا ، فمن ذلك قول علي ابن الجهم في الجعفري الذي للمتوكّل :

وما زلت أسمع أنّ الملو * ك تبني على قدر أقدارها

وأعلم أنّ عقول الرجا * ل تقضي عليها بآثارها 

لمّا رأينا بناء الإما * م رأينا الخلافة في دارها

بدايع لم ترها فارس * ولا الروم في طول أعمارها

ولا يوم ما شيد الأوّلو * ن وللفرس آثار أحرارها

وكنّا نحسّ لها نخوة * فطامنت نخوة جبّارها

وأنشأت تحتجّ للمسلمين * على ملحديها وكفّارها

صحون تسافر فيه العيو * ن إذا ما تجلّت لأبصارها

وقبّة ملك كأنّ النجو * م تضيء إليها بأسرارها

نظمن الفسافس نظم الحلي * لعوب النساء وأبكارها

لو أنّ سليمان أدّت له * شياطينه بعض أخبارها

لأيقن أنّ بني هاشم * تقدّمها فضل أخطارها

قال اليعقوبي في البلدان : عزم المتوكّل أن يبني مدينة ينتقل إليها وتنسب إليه ويكون له بها الذكر ، فأمر محمّد بن موسى المنجّم ومن يحضر بابه من المهندسين أن يختاروا موضعا ، فوقع اختيارهم على موضع يقال له الماحوزة ، وقيل له : إنّ المعتصم قد كان على أن يبني هاهنا مدينة ويحفر نهرا قد كان في الدهر القديم ، فاعتزم المتوكّل على ذلك وابتدأ النظر فيه في سنة 345 ووجّه في حفر ذلك النهر ليكون وسط المدينة فقدّر النفقة على ألف ألف وخمسمائة ألف دينار ، فطاب نفسا بذلك فرضي به ، وابتدأ الحفر وأنفقت الأموال الجليلة على ذلك النهر واختطّ موضع قصوره ومنازله ولاة عهوده وسائر أولاده وقوّاده وكتّابه وجنده والناس كافّة ، ومدّ الشارع الأعظم من دار أشناس التي بالكرخ وهي التي صارت للفتح ابن خاقان مقدار ثلاثة فارسخ إلى قصوره ، وجعل دون قصوره ثلاثة أبواب عظام جليلة يدخل منها الفارس برمحه ، وأقطع الناس يمنة الشارع الأعظم ويسرته ، وجعل عرض الشارع الأعظم مأتي ذراع ، وقدّر أن يحفر في جنبي الشارع نهرين يجري فيهما الماء من النهر الكبير الذي يحفره ، وبنيت القصور وشيّدت الدور وارتفع البناء ، وكان يدور بنفسه فمن رآه قد جدّ في البناء أجازه وأعطاه ، فجدّ الناس ، وسمّى المتوكّل هذه المدينة الجعفريّة ، واتصل البناء من الجعفريّة إلى الموضع المعروف بالدور ثمّ بالكرخ وسرّ من رأى مادّا إلى الموضع الذي كان ينزله ابنه المعتزّ ليس بين شيء من ذلك فضاء ولا فرج ولا موضع لا عمارة فيه ، فكان مقدار ذلك سبعة فراسخ .

وارتفع البنيان في مقدار سنة ، وجعلت الأسواق في موضع معتزل ، وجعل في كلّ مربّعة وناحية سوقا ، وبني المسجد الجامع ، وانتقل المتوكّل إلى قصور هذه المدينة أوّل يوم من المحرّم سنة سبع وأربعين ومأتين ، فلمّا جلس أجاز الناس بالجوائز السنيّة ووصلهم ، وأعطى جميع القوّاد والكتّاب ومن تولّى عملا من الأعمال ، وتكامل له السرور وقال : الآن علمت أنّي ملك إذ بنيت لنفسي مدينة سكنتها ، ونقلت الدواوين ؛ ديوان الخراج وديوان الضياع وديوان الزمام وديوان الجند والشاكرية ، وديوان الموالي والغلمان ، وديوان البريد ، وجميع الدواوين ، إلّا أنّ النهر لم يتمّ أمره ولم يجر الماء فيه إلّا جريا ضعيفا لم يكن له اتصال ولا استقامة ، على أنّه قد أنفق عليها شبيها بألف ألف دينار ولكن كان حفره صعبا جدّا إنّما كانوا يحفرون حصا وأفهارا ، لا يعمل فيها المعاول .

وأقام المتوكّل نازلا في قصوره بالجعفريّة تسعة أشهر وثلاثة أيّام ، ثمّ قتل لثلاث خلون من شوّال سنة 247 في قصره الجعفري أعظم القصور شؤما ، وولي محمّد المنتصر بن المتوكّل فانتقل إلى سرّ من رأى ، وأمر الناس جميعا بالانتقال عن الماحوزة وأن يهدموا المنازل ويحملوا النقض إلى سرّ من رأى ، فانتقل الناس وحملوا نقض المنازل إلى سرّ من رأى وخربت قصور الجعفريّة ومنازله ومساكنه وأسواقه في أسرع مدّة ، وصار الموضع موحشا لا أنيس به ولا ساكن فيه ، والديار بلاقع كأنّها لم تعمر ولم تسكن .

ومات المنتصر بسرّ من رأى في شهر ربيع الآخر سنة 248 وولى المستعين أحمد ابن محمّد المعتصم فأقام بسر من رأى سنتين وثمانية أشهر حتّى اضطربت أموره فانحدر إلى بغداد في المحرّم سنة 251 فأقام بها يحارب أصحاب المعتزّ سنة كاملة بسرّ من رأى معه الأتراك وسائر الموالي ، ثمّ خلع المستعين وولي المعتزّ فأقام بها حتّى قتل ثلاث سنين وستّة أشهر بعد خلع المستعين ، وبويع محمّد المهدي بن الواثق في رجب سنة 245 فأقام حولا كاملا ينزل الجوسق حتّى قتل وولي أحمد المعتمد بن المتوكّل فأقام بسرّ من رأى في الجوسق وقصور الخلافة ثمّ انتقل إلى الجانب الغربي بسرّ من رأى فبنى قصرا موصوفا بالحسن سمّاه « المعشوق » فنزله فأقام به حتّى اضطربت الأمور فانتقل إلى بغداد ، ثمّ إلى المدائن ، ولسرّ من رأى منذ بنيت وسكنت إلى الوقت الذي كتبنا فيه كتابنا هذا خمس وخمسون سنة ملك بها ثمانية خلفاء .
وإلى ذلك أشار العلّامة الخبير الشيخ محمّد السماوي في وشايح السرّاء في شأن سامرّاء :
قد عمّر في المائتين بعدها * إحدى وعشرون فحافظ عدّها
وهدّمت في التسع والسبعينا * فكان عمرها زها ستّينا
وجوّها طلق وتربها نقي * والماء جار بالهوا المصفق
حلّ بها معتصم وواثق * ومتوكّل عليها وامق
ونجله المنتصر المبتزّ * ومستعين القوم والمعتزّ
والمهتدي من بعد ثمّ المعتمد * وتاسع القوم الأخير المعتضد
وهو الذي أقام في بغداد * من ضغط الأتراك والأجناد
فظعن المقيم فيها وترك * تلك القصور والرياض والبرك
وخرّبت تلك المباني أجمع * وعادت الديار وهي بلقع فانظر إلى شارعها في الطول * من منتهى الدور إلى القاطول
كيف غدت تهوي به المباني * كالرجم في النجم بلا توان
وقال محمّد خداوند شاه في خاتمة روضة الصفا : لمّا ولي المتوكّل زاد في عمارة سامرّاء وكان حريصا به جدّا فأسّس بناء قصر لم ير مثله في بلاد العرب والعجم في العظمة والارتفاع والزينة سماّه قصر الجعفري ، ثمّ إنّه لمّا أمر بهدم قبر الحسين عليه السّلام ومنع الزوّار عن زيارته لم تنقض الأيّام والليالي إلّا وخربت قصور الجعفري كأنّها لم تكن شيئا مذكورا ، فمحا الحدثان معالمها ، وعفت العواصف آثارها .
هذه كلمات أرباب التاريخ في وصف قصر الجعفري سردناها لك ومنها يتّضح لك اتضاحا أنّ البناء الموجود الذي يبعد عن سامرّاء الحاليّة نحو ألفين وخمسمائة متر من جهة الشمال ليس من آثار قصر الجعفري كما زعمه الأستاذ توفيق الفكيكي زاعما أنّه يعرف اليوم باسم الخلفاء عند أهالي سامرّاء ؛ لأنّ قصر الجعفري كما عرفت آنفا أمر المنتصر بهدمه وهدم منازله بحيث لا يبقى له أثر وكأنّه لم يكن شيئا مذكورا وهذا البناء الموجود اليوم كأنّه واقع في قبّة البلدة على حسب الآثار ، وقصر الجعفري كان في خارج سامرّاء ، وقد سمعت آنفا أنّ البناء من قصر الجعفري اتصل إلى الموضع المعروف بالدور ثمّ بالكرخ ثمّ بسرّ من رأى مادّا إلى الموضع الذي كان ينزله ابنه المعتزّ ، والمعتزّ كان خلف المطيرة المعروف بقصر بزكوار ، فالقاصد إلى الجعفري من بزكوار يمرّ أوّلا بسرّ من رأى ثمّ بالكرخ ثمّ بالدور ثمّ بالجعفري . وأمّا البناء الموجود فمن خرج إليه من سامرّاء الحاليّة يصل إليه أوّلا ثمّ يمرّ إلى الكرخ ثمّ الدور ، واللّه أعلم بحقائق الأمور . ويحتمل أن يكون هذا البناء من آثار قصر الحير كما ستعرف بعد هذا .
ونشر الأستاذ الفكيكي في مجلّة الحضارة النجفيّة مقالة في صفة قصر الجعفري قال : لمّا انتضى سيف عزمه - أي المتوكّل - في إنشاء وتأسيس هذا القصر هدم من قصور سامرّاء قصري البديع والمختارة ونقل زخارفهما وحجارتهما إليه ، وقد أنفق عليه من الدنانير ألفي ألف دينار وخمسين ألف ألف درهم حتّى جعله من أفخر القصور بناء وأشمخها علوّا وأبهرها منظرا وأعجبها صنعة وأطيبها أنسا وأجملها زينة ، فهو بين قصور سامرّاء وبروجها وحصونها كالشمس المشرقة أو كالبلد المنير بل كان على حدّ قول الشاعر :
شمس ولا كالشمس عند زوالها * بدر ولا كالبدر في نقصانه
أمّا جدران هذا البرج الشامخ فحجارة من حجر الكلداني أيضا وكلّها موشاة بالصدف الملوّن وبالمرايا والقطع الفضّيّة المطلية بماء الذهب فكانت صفحة الجدار كموشى الحلل في زينتها أو مونق عصب اليمن في رونقها ، وفيه من الغرف ما لا يعدّ ولا يحصى ، مفروشات وغير مفروشات ، وتبلغ ساحته ألفا ومأة متر طولا وعرضها مأتين وخمسين مترا وجميعها مفروشة بالطابوق ، وهو واقع في الجانب الشرقي من دجلة ويبعد من ساحته زهاء ألف متر ، وتوجد بقرب بابه الشرقي بركة ماء مطلية صفحائها بالرصاص ، ومن هذه البركة كان يتوزّع الماء إلى حمّام وأماكن القصر بواسطة أنابيب من الرخام الأبيض .
قال : وقد نقل لي أحد أفاضل سامرّاء أنّ الدكتور هرتسفيلد الألماني قد حمل معه ما يربو على مأتي صندوق من الآثار الجليلة التي وجدها في الجعفريّة وغيرها حين تنقيبه فيها ومن جملته فصوص ذات ألوان قد كسيت باللجين المكلّل ، ووصف لي هذه الفصوص فقال : بينما ترى تموجاتها حمراء وردية تراها خضراء زبرجديّة وأحيانا صفراء عسجديّة .
قال : وإنّا مع الأسف ليس لنا دليل تاريخيّ يرشدنا إلى هيئة وحجم مقصورات القصر وفي يومنا هذا بقي من نفس القصر إيوان كبير مرتفع يبلغ ارتفاعه خمسة وعشرين مترا ، وطوله خمسة عشر مترا ، وعرضه ثمانية أمتار ، ومن طرفيه أيوانان آخران طول كلّ واحد منهما ثمانية أمتار في أربعة أمتار ونصف وخمسة عشر مترا ارتفاعا ، ولكلّ منهما من الداخل باب ينفذ إلى حجرة صغيرة . أمّا عرض الباب فمتران وعلوّه ثلاثة أمتار ونصف متر ، وجميع عقود هذا الصرح المنيع مقوّسة ، عن جانبها فناءان طول كلّ منهما سبعة أمتار . أمّا الفناء الذي عن يمين الأيوان المقابل للشرق فقد سقط ثلاثة وبقي ثلثان ، والذي عن الشمال فهو المقابل للغربي فقد هدم ثلثاه وسلم منه ثلث واحد ، ومن جهة جنوب الأيوان الشرقي معالم خاوية ورسوم متراكمة بعضها فوق بعض ، ويمتدّ هذا الخراب مسافة مأة متر من جنوب المتوكّليّة ، وفوق الأيوان الغربي مقصورة صغيرة واقعة تجاه الشمال قد تضعضع معظمها ، وبقيّة رسمها لا تزيد على ثمانية أمتار علوّا ، وستّة طولا ، إلّا أنّ الأيوان العظيم باق على هيئته الخطيرة يناطح السحاب ويصارع الأحداث على مرور الأحقاب وكرّ الجديدين .
فلمّا عرفت الدار قلت لربعها * ألا أنعم صباحا أيّها الدار واسلم
تلك آثارنا تدلّ علينا * فانظروا بعدنا إلى الآثار
أقول : لا يخفى أنّ هذه الأوصاف لقصر الخلفاء الموجودة في شمال سامرّاء الحاليّة لا قصر الجعفري . ثمّ إنّ مديريّة الآثار القديمة العراقيّة ذكرت في كتاب الآثار القديمة العراقيّة صفة هذا البناء الذي يعرف باسم الخلفاء وكأنّها تنبّه إلى عدم كونه من آثار قصر الجعفريّة حيث أنها ذكرت تحت عنوان دار الخليفة وباب العامّة ، وذكرت قصر الجعفري تحت عنوان قصر المتوكّليّة ، وقالت تحت عنوان دار الخليفة : إنّ أهمّ وأعظم القصور التي بنيت حين تأسيس سامرّاء دار الخليفة يبلغ طول واجهته من جهة النهر 700 متر ، وأمّا المسافة التي بين بابه ومنتهى بناياته الخلفيّة الفسيحة فلا تقلّ عن ثمانمائة متر وذلك بقطع النظر عن الحديقة الفسيحة التي كانت تمتدّ أمامه حتّى شاطئ النهر على طول ستمائة متر ، ولقد لاحظ أطلال هذا القصر العظيم المهندس الفرنسي فيوله سنة 1909 ورسم مخططا تقريبيّا بالنظر إلى المعالم التي رآها ظاهرة عند ذلك ، ثمّ جاء العالم الألماني هرتسفيلد بعد فيوله وقام في القصر بتنقيبات وحفريات منتظمة كشف خلالها قسميه الوسطى والجنوبي وبعض أقسامه المتفرّقة ، واكتشف قاعة العرش وغرف التشريفات والحمّام ودوائر الحرم ، كما عثر على آثار كثيرة وصور بديعة وموادّ خزفيّة ثمينة غير انّ الناس استمرّوا على اقتلاع الآجر من جدران القصر لاستعمالها في عماراتهم المختلفة فلم يبق في الحالة الحاضرة من الغرف والقاعات التي اكتشفها هرتسفيلد شيء غير الأنقاض الكلسية وآكام لا يظهر أوضاعها العامّة إلّا الأواوين القائمة .
فالإيوان الوسطى كبير ومستطيل الشكل طوله سبعة عشر مترا ونصف متر ، وعرضه ثمانية أمتار ، جداراه الجانبيان يحملان عقادة مدبّبة ترتفع ذروتها عن الأرض اثنى عشر مترا ، واجهته الأماميّة مفتوحة بكاملها ، ومطلّة على السهل ، وأمّا ضلعه الخلفي فمسدود بجدار شاقولي ينفتح فيه باب كبير تعلوه نافذة مرتفعة يبلغ عرض الباب ثلاثة أمتار وثمانية أعشار المتر ، وارتفاعه سبعة أمتار . وأمّا الأيوانان الجانبيان فهما أقلّ عرضا وعمقا من الأيوان الوسطى ، فإنّ عرض الوجهة في كلّ منها عبارة عن أربعة أمتار ونصف . وأمّا العمق فلا يتجاوز أربعة أمتار ، وأمّا العقادة التي تعلو الجدران الثلاثة فتكون نصف قمّته ، وفي الجدار الخلفي باب مرتفع تعلوه نافذة ، ويفضي هذا الباب إلى قاعة خلفيّة كبيرة مدبّبة العقد مثل عقد الأيوان الوسطى ، وفي جانب الأيوان الشمالي باب آخر يفضي إلى غرفة مربّعة متّصلة بغرف أخرى ظهرت جدرانها الباقية عند رفع الأنقاض سنة 1937 كما يوجد جانب الأيوان الجنوبي سلسلة غرف ظهرت جدرانها كذلك عند رفع الأنقاض في السنة المذكورة ، والباب الذي يقع خلف الأيوان الوسطى ينفتح اليوم إلى الفضاء غير أنّه كان يفضي في الأصل إلى سلسلة قاعات كبيرة توصل إلى غرف الخلفيّة وقاعة العرش ، وإنّ جدران هذه الغرف والقاعات قد اندرست تماما .
وكان يوجد فوق هذه الأواوين طاق آخر لأنّ أحد جدران هذه الأواوين كان قائما إلى علوّ ستّة أمتار حتّى عهد قريب وكانت الأواوين المذكورة مزدانة بزخارف جصّيّة شاهد قسما منها فيولة في محلّها ، وعثر هرتسفيلد على قسم منها بين الأنقاض خلال تنقيباته ، كما عثرت مديريّة الآثار القديمة على بعض منها عندما رفعت الأنقاض ، وقد ظهر على جدران الغرفة المتّصلة بالغرفة المربّعة التي ذكرناها آنفا زخرفيّة جداريّة بديعة نقلت إلى متحف الآثار العربيّة في بغداد ، وإنّ الحوض الكبير الذي يتوسّط بهو المتحف منقول من بيت الخليفة . كما أنّ الآثار والزخارف المعروضة في الغرفة الحادية عشرة من الطاق الثاني في المتحف المذكور مكتشفة في القصر المبحوث عنه .
وأمّا باب العامّة فإنّ الأواوين المبحوث عنها كانت بمثابة مدخل القصر ، فكانت تسمّى باب العامّة حيث كان يجلس الخليفة أيّام الاثنين والخميس .
والساحة التي امام الأواوين تكوّن مشرفة تطلّ على السهل من علوّ سبعة عشر مترا يلاحظ المتفرّج من هناك معالم الدرج العريض الذي كان يصل القصر بالسهل ، والبركة الكبيرة التي كانت تبدأ من أسفل الدرج المذكور كان طول ضلع البركة مائة وخمسة وعشرين مترا ، وطول الدرج ستّين مترا .

قصر الجصّ
قال الحموي في المعجم : قصر الجص قصر عظيم قرب سامرّاء فوق الهاروني بناه المعتصم للنزهة وعنده قتل بختيار بن معزّ الدولة بن بويه ، قتله عضد الدولة ابن عمّه ، وبختيار هو خامس ملوك آل بويه كنيته أبو منصور ولقبه عزّ الدولة ، أوصى إليه والده وقلّده الأمر بعده ، وجعله أمير الأمراء ووصّاه بطاعة عمّه ركن الدولة وابن عمّه عضد الدولة لأنّه أكبر منه سنّا وأقوم بالسياسة ، ووصّاه بالديلم والأتراك والحاجب سبكتكين ، فخالف بختيار هذه الوصايا بأجمعها حتّى آل أمره إلى القتل فقتل في قصّة طويلة ، وكان مقتله عند قصر الجصّ قرب سامرة في الثاني عشر من شوّال سنة 367 وكان عمره ستّا وثلاثين سنة ، وملك إحدى عشرة سنة وشهورا ، وكان شديد القوى ، يمسك الثور بقرنيه ويصرعه ، وكان متوسّعا في الإخراجات والكلف والقيام بالوظايف ، وتزوّج بنت الخليفة الطايع باللّه العبّاسي على صداق مبلغه مائة ألف دينار .
وقال ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة 467 : إنّ عضد الدولة سار إلى بغداد وأرسل إلى بختيار يدعوه إلى طاعته وأن يسير عن العراق إلى أيّ جهة أراد ، وضمن مساعدته بما يحتاج إليه من مال وسلاح وغير ذلك ، فاختلف أصحاب بختيار عليه في الإجابة إلى ذلك إلّا أنّه أجاب إليه لضعف نفسه فأنفذ له عضد الدولة وخرج من بغداد عازما على قصد الشام ومعه حمدان بن ناصر الدولة بن حمدان ، فلمّا صار بختيار بعكبرا حسن له حمدان قصد الموصل وكثرة أموالها وأطمعه فيها وقال : إنّها خير من الشام وأسهل ، فسار بختيار نحو الموصل وكان عضد الدولة حلّفه أن لا يقصد ولاية أبي تغلب بن حمدان لمودّة ومكاتبة كانت بينهما ، فنكث وقصدها ، فلمّا صار إلى تكريت أتته رسل أبي تغلب تسأله أن يقبض على أخيه حمدان ويسلّمه إليه ، وإذا فعل سار بنفسه وعساكره إليه ، وقاتل معه عضد الدولة وأعاده إلى ملكه ببغداد ، فقبض بختيار على حمدان وسلّمه إلى نوّاب أبي تغلب فحبسه في قلعة له وسار بختيار إلى الحديثيّة واجتمع مع أبي تغلب وسارا جميعا نحو العراق ، وكان مع أبي تغلب نحو عشرين ألف مقاتل ، فبلغ ذلك عضد الدولة فسار من بغداد إليه فالتقوا بقصر الجص قرب سامرّاء فانهزم جيش أبي تغلب وأسر بختيار ثمّ قتل .

قصر الجوسق
قال المسعودي في مروج الذهب : الجوسق قصر بناه المتوكّل في سرّ من رأى في ميدان الصخر ، أنفق عليه خمسمائة ألف درهم .
وقال الطبري في تاريخه في حوادث سنة 225 أنّ المعتصم حبس الأفشين في الجوسق ثمّ بنى له حبسا مرتفعا وسماّه لؤلؤ داخل الجوسق وهو يعرف بقصر الأفشين .
ومن كلام هذين المؤرّخين يظهر لنا أنّ الجوسق اثنان : أحدهما من أبنية المعتصم ، والآخر من المتوكّل ، واللؤلؤ كذلك ، والجوسق أيضا اسم لقرية كبيرة من نواحي الدجيل من أعمال بغداد وبينهما عشرة فراسخ ، والجوسق أيضا من قرى النهروان من أعمال بغداد ، والأفشين حيدر بن كاوس من الأتراك سيأتي في محلّه .
وقال الحموي في المعجم عند ذكره بزكوار أبياتا منها :
عصى الزمان عليهم بعد طاعته * فانظر إلى فعله بالجوسق الخرب
وملخّص ما ذكره أحمد سوسه المناسب لهذا المقام ما في كتاب ريّ سامرّاء أنّ الجوسق يعدّ من أهمّ القصور التي أنشئت على عهد المعتصم حيث أعدّ لسكنى الخليفة نفسه . أمّا موقعه يستدلّ من وصف المؤرّخين أنّه كان يقع على ضفة نهر دجلة الشرقيّة الجنوبيّة ؛ دار العامّة مطلّا على الحير ممّا يدلّ على أنّ أرض القصر ومشتملاته كانت تشغل كلّ المساحة التي بين شاطئ دجلة والحير . وفيما يلي وصف اليعقوبي للجوسق ، قال ما نصّه :
فوقف المعتصم في الموضع الذي فيه دار العامّة وهناك دير للنصارى فاشترى من أهل الدير الأرض واختطّ فيه وصار إلى موضع القصر المعروف بالجوسق على شطّ دجلة فبنى هناك عدّة قصور للقوّاد والكتّاب وسمّاها بأسمائهم . وتؤيّد الروايات التاريخيّة بأنّ المعتصم سكن في هذا القصر طيلة مدّة حكمه ولمّا توفّي دفن فيه كما يؤيّد لنا بأنّ أخلافه من الخلفاء الذين حكموا في سامرّاء سكنوا فيه أيضا باستثناء الواثق والمتوكّل .
ويستفاد من روايات المؤرّخين أنّه كان في قصر الجوسق سجن ملكي كان يسجن فيه السياسيّون ، والقوّاد والأمراء ، ويظهر أنّ هذا السجن أنشئ في الأصل في عهد المعتصم لحبس الأفشين فيه وقد سمّي باللؤلؤة ، ثمّ سجن فيه المعتزّ والمؤيّد في عهد المستعين كما سجن فيه أحمد ابن المتوكّل الذي يعرف بابن فتيان في عهد المهتدي .

ذكر الطبري في جملة حوادث سنة 225 أنّ المعتصم دعا الأفشين فجاء وهو في سواد فأمر بأخذ سواده وحبسه فحبس في الجوسق ثمّ بنى له حبسا مرتفعا وسماّه اللؤلؤة داخل الجوسق . ويظهر أنّ المعتقل المذكور صار يعرف باسم لؤلؤة الجوسق .
ويستفاد من أوصاف الطبري لحوادث عصيان الجيش في عهد الخلفاء العبّاسي في سامرّاء أنّ الجوسق كان في ذلك العهد المحور الذي كانت تدور حوله المؤامرات والتجمّعات وحوادث القتل والسجن والاغتيال ، وكانت الألوف من الجنود تتقاتل فيما بينها في ساحاته وداخل أبنيته الواسعة وهذا يدلّ على أنّ الجوسق كان يعدّ من الأبنية الرئيسيّة في سامرّاء العبّاسيّة ، ومركزا مهمّا فيها . والأبنية المذكورة تقترب من المسجد في حدّها الشمالي حيث لا تتجاوز المسافة بين ذلك الحدّ وبين المسجد إلّا ستّة كيلومترات .
إلى أن قال : إنّ المتوكّل وسّع حدود مدينة سرّ من رأى فامتدّ العمران خلف حدود طرق الحير في الجنوبيّة الشرقيّة للمسجد الجامع وكان من جملة مشاريعه في تلك الجهة إنشاء حديقة واسعة للحيوانات الوحشيّة ولا تزال آثار السور الذي كان يحيط بهذه الحديقة باقية حتّى الآن شرقي حدود بناء سامرّاء القديمة فيبلغ مجموع طول محيط هذا السور حوالي ثلاث كيلومتر ويحتوي هذا المستطيل على ساحة واسعة تعدّ من أجمل الأراضي السهلة الخصبة في منطقة سامرّاء ، وكانت البركة الجعفريّة المشهورة التي وصفها البحتري في قصيدته المقصورة ضمن هذه الحديقة الواسعة كما كان أمام البركة قصر فخم يستدلّ من آثاره على أنّه كان أحد قصور الخليفة المعدّة لنزهته .
ويتّجه الضلعان الجانبان لسور الحديقة نحو الشمال تماما فتصل الضلع الغربيّة بحائر الحير في منتهى هذا الضلع من الجنوب في نقطة تقع على بعد أحد عشر  كيلومترا تقريبا من المسجد الجامع وكان المعتصم قد بنى حائطا في نهاية الأبنية من جهة الشرق سماّه حائر الحير وكان الحائط ممتدّا على طول حدود البناء الخارجيّة بين الجوسق والمطيرة واحتفظ بالسهل الواسع الذي في ظهر سرّ من رأى شرقا إلّا أنّه لمّا اتسعت حدود البناء في تلك الجهة على عهد المتوكّل أنشأ حائطا غيره على الحدود الجديدة للبناء التي في ظهر شارع الحير الجديد ، فكان هذا الحائط يحدّد الأراضي المنبسطة الواسعة الواقعة إلى شرقيّه ، وهذه سمّيت بساحة الحير نسبة إلى حائر الحير ، وإلى طرف الحير التي تمتدّ على محاذاته .
ولا تزال آثار هذا الحائط تشاهد في جنوب شرقي مدينة سامرّاء الحاليّة فتمتدّ من قرب وادي الموح الواقع إلى جنوب مدينة سامرّاء الحاليّة مباشرة في خطّ هندسيّ مستقيم إلى الجهة الجنوبيّة الشرقيّة حتّى تتصل بالركن الجنوبي الغربي لسور حديقة المتوكّل للوحوش على ما جاء في ريّ سامرّاء .
وقد أورد ياقوت ذكر قصر آخر على ضفته اليمنى لنهر دجلة قرب الإسحاقي سماّه قصر حبش ، فقال : إنّه موضع قرب تكريت فيه مزارع شربها من الإسحاقي ولعلّ موقع هذا القصر في التلّ المعروف بتلّ مهيجر وهو تلّ مسطّح علوّه خمسة أمتار وطوله عشرون مترا يقع في حافّة دجلة الغربيّة الحاليّة .
عصى الزمان عليهم بعد طاعته * فانظر إلى فعله بالجوسق الخرب

قصر الحير
قال الحموي في المعجم : الحير - بالفتح - كأنّه منقوص من الحائر ، اسم قصر كان بسامرّاء أنفق المتوكّل على عمارته أربعة آلاف ألف درهم ، ثمّ وهب المستعين أنقاضه لوزيره أحمد بن الخصيب فيما وهبه له .
وقال المسعودي في مروج الذهب عند ذكره سيرة المتوكّل : وأحدث المتوكّل في أيّامه بناء لم يكن الناس يعرفونه وهو المعروف بالحيرى والكمين والأروقة ، وذلك أنّ بعض سماره حدّثه في بعض الليالي أنّ بعض ملوك الحيرة من النعمانيّة من بني قصرا أحدث بنيانا في دار قراره وهي الحيرة على صورة الحرب وهيئته مواجهة بها وميله نحوها لئلّا يغيب عنه ذكرها في سائر أحواله فكان الرواق مجلس وهو الصدر والكمين ميمنته وميسرته ، ويكون في البيتين اللذين هما الكمين من يقرب منه من خواصّه ، وفي اليمين منهما خزانة الكسوة ، وفي الشمال ما احتيج إليه من الشراب ، والرواق قد عمّ فضاؤه الصدر والكمين ، والأبواب الثلاثة على الرواق ، فسمّي هذا البنيان إلى هذا الوقت بالحيري ، والكمين إضافة إلى الحيرة ، واتّبع الناس المتوكّل إتماما بفعله واشتهر إلى هذه الغاية .
وقد أسلفنا لك أنّ شارع الحير الجديد خلف شارع العسكر فيه أخلاط الناس .

قصر حمران
قال في المراصد : قرية قرب المعشوق في الجانب الغربي مقابل سامرّاء وكأنّ القصر كان هناك .

قصر الخاقاني
قال في مروج الذهب : مات المعتصم في قصره الخاقاني والوجه في التسمية أنّ المعتصم أمر خاقان عرطوج أبا الفتح ابن خاقان بإنشاء قصر فبنى قصرا فاشتهر بالجوسق الخاقاني ، وكان خاقان عرطوج من فراعنة الأتراك ؛ شجاعا باسلا .

قصر الشاه
ذكره اليعقوبي في تاريخه المعروف بتاريخ اليعقوبي .

قصر شبداز
قال الحموي في المعجم : شبداز - بكسر أوّله وسكون ثانيه ثمّ دال مهملة مفتوحة وآخره زاء معجمة - ويقال : شبديز - بالياء المثنّاة من تحت - موضعان أحدهما قصر عظيم من أبنية المتوكّل بسرّ من رأى ، والآخر منزل بين حلوان وقرمسين في لحف جبل بيستون سمّي باسم فرس كان لكسرى .
وقال مسعر بن المهلهل : وصورة شبديز على فرسخ من مدينة قرمسين وهو رجل على فرس من حجر عليه درع لا يخرم كأنّه من الحديد يبين زرده  والمسامير المسمّرة في الزرد ، ولا شكّ من نظر إليه يظنّ أنّه متحرّك . وهذه الصورة صورة أبرويز على فرسه شبديز ، ليس في الأرض صورة تشبهها . وفي الطاق الذي فيه هذه الصورة عدّة صور من رجال ونساء ، ورجالة وفرسان ، وبين يديه رجل في زيّ عامل على رأسه قلنسوة وهو مشدود الوسط بيده آلة من حديد كأنّه يحفر بها الأرض والماء يخرج من تحت رجليه .
وقال أحمد بن محمّد الهمداني : ومن عجائب قرمسين وهو أحد عجائب الدنيا صورة شبديز وهو في قرية يقال لها خاقان ، ومصوّره قنطوس بن سنمار هو الذي بنى الخورنق بالكوفة ، وكان سبب تصويره في هذه القرية أنّه كان أذكى الدوابّ وأعظمها خلقة وأطهرها خلقا وأصبرها على طول الركض ، وكان ملك الهند أهداه إلى الملك أبرويز فكان لا يبول ولا يروث ما دام عليه سرجه ولجامه ، ولا ينخر ولا يزبد ، وكانت استدارة حافره ستّة أشبار . واتفق أنّ شبديز اشتكى وزادت شكواه وعرف أبرويز ذلك وقال : لئن أخبرني أحد بموته لأقتلنّه ، فلمّا مات شبديز خاف صاحب خيله أن يسأله عنه فلا يجد بدّا من إخباره بموته فجاء إلى بهلبند مغنّيه ولم يكن فيما تقدّم من الأزمان ولا ما تأخّر من الأزمان أحذق منه بالضرب بالعود والغناء .
قالوا : كان لأبرويز ثلاث خصائص لم تكن لأحد من قبله : فرسه شبديز ، وسريّته شيرين ، ومغنّيه بهلبند .
وقال : اعلم أنّ شبديز قد نفق وقد عرفت ما أوعد به الملك من أخبر بموته فاحتل لي حيلة ولك كذا وكذا ، فوعده الحيلة ، فلمّا حضر بين يدي الملك غنّاه غناء وورى فيه عن القصّة إلى أن فطن الملك وقال له : ويحك ! مات شبديز ؟ فقال :
الملك يقوله ؟ فقال له : زه ! ما أحسن ما تخلّصت وخلّصت غيرك ، وجزع عليه جزعا عظيما فأمر قنطوس ابن سنمار بتصويره ، فصوّره على أحسن وأتمّ تمثال حتّى لا يكاد يفرق بينهما إلّا بإدارة الروح في جسدهما ، وجاء الملك ورآه فاستعبر باكيا عند تأمّله إيّاه .
إلى أن قال : ومن عجائب هذا التمثال أنّه لم ير مثل صورته صورة ، ولم يقف عليه أحد منذ صوّر من أهل الفكر اللطيف والنظر الدقيق صورته وعجب منها حتّى لقد سمعت كثيرا من هذا الصنف يحلفون أو يقاربون اليمين أنّها ليست من صنعة العباد .
قال : وسمعت بعض فقهاء المعتزلة يقول : لو أنّ رجلا خرج من فرغانة القصوى وآخر من سوس الأبعد قاصدين النظر إلى صورة شبديز ما عنفا على ذلك .
قال : وأنت إذا فكّرت في أمر صورة شبديز وجدتها كما ذكر هذا المعتزلي وإن كان من صنعة الآدميّين فقد أعطى هذا المصوّر ما لم يعط أحد من العالمين . فأيّ شيء أعجب أو أظرف أو أشدّ امتناعا من أنّه سخّرت له الحجارة كما يريد ففي الموضع الذي يحتاج أن يكون أحمر أحمر ، وكذا سائر الألوان ، والذي يظهر لي أنّ الأصباغ التي فيه معالجة صنف من المعالجات ثمّ صور شيرين جارية أبرويز أيضا قريبة من شبديز ، وصور نفسه أيضا راكبا فرسا لبيقا .

قصر الصبح
قال في مروج الذهب : قصر الصبح أنفق عليه المتوكّل خمسة آلاف ألف درهم .

قصر العمري
قال الطبري في حوادث سنة 224 من تاريخه : العمري قصر للمعتصم في سامرّاء وفي السنة المذكورة تزوّج الحسن بن أفشين أترنجة بنت أشناس ودخل بها في العمري قصر المعتصم في جمادى الآخرة وأحضر عرسها عامّة أهل سامرّاء فحدّث أنّهم كانوا يعقلون العامّة فيها بالغالية في تغار من فضّة ، وأنّ المعتصم كان يباشر بنفسه ، وتفقّد من حضرها .
ووجه التسمية أنّ عمر بن فرج بناه بأمر المعتصم وكان واليا من قبله في المدينة وكذا في أيّام المتوكّل .

قصر العروس
قال في مروج الذهب : أنفق عليه ثلاثين ألف ألف درهم . والعروس حصن باليمن .

قصر العاشق
الذي يعرف في التواريخ باسم المعشوق . قال الحموي في المعجم في حرف الميم :
المعشوق المفعول من العشق وهو اسم لقصر عظيم بالجانب الغربي من دجلة قبالة سامرّاء في وسط البرية باق إلى الآن ليس حوله شيء من العمران ، يسكنه قوم من الفلّاحين إلّا أنّه عظيم مكين محكم لم يبن في تلك البقاع على كثرة ما كان من القصور أحسن منه . وبينه وبين تكريت مرحلة ، عمّره المعتمد على اللّه أحمد بن المتوكّل . وعمّر قصرا آخر يقال له حمدي وقد خرب . قال عبد اللّه بن المعتزّ - وسيأتي أخباره في الأجزاء الآتية بصورة تفصيليّة - :
بدر تنقّل في منازله * سعد يصبّحه ويطرقه
فرحت به دار الملوك فقد * كادت إلى لقياه تسبقه
والأحمديّ إليه منتسب * من قبل والمعشوق يعشقه
وسيأتي في الجزء الآتي سبب بناء هذا القصر وهو اليوم معروف عند أهالي سامرّاء بقصر العاشق .
وجاء في كتاب الآثار العراقيّة : قصر العاشق قصر مرتفع مبنيّ على ضفة نهر الإسحاقي في الجانب الغربي من نهر دجلة ، وهذا هو القصر المذكور في التواريخ باسم المعشوق ، بناه المعتمد في أواخر أيّام حكمه في سامرّاء قبل أن يتركها نهائيّا ويعيد مقرّ الخلافة إلى بغداد .
بناية القصر مستطيلة الشكل ذات طابقين وقد تحوّل الطابق التحتاني الآن إلى سراديب . طول البناية مائة وأحد وثلاثون مترا ، وعرضها ستّة وتسعون مترا غير أنّها محاطة بساحة مسوّرة ، ويشاهد في هذه الساحة بين القصر وبن السور الخارجي أعمدة مبان فرعيّة ، وقد نشر في آخر الكتاب بالصور الفوتغرافيّة التي رسمها للقصر هرتسفيلد ، وصورة منظره الجوّي حسب الصور الفوتغرافيّة الجوّيّة ، وصور مناظر أقسامها الشاخصة الآن ، وصور منظر السراديب ومناظر أقسامها الشاخصة الآن . وبإزائه بالجانب الشرقي قصر الهاروني للواثق .
وقد أشار البحتري بقصر المشعوق هذا فأنشد في قصيدته يمدح بها المعتمد على اللّه :
لا زال معشوقك يسقى الحيا * من كلّ آن المزن واهي الحزوق
لم أرى كالمعشوق قصرا بدا * لأعين الرائين غير المشوق
هذاك مذ برز في حسنه * سبقا ويفدا مسرع في اللحوق

قصر الغريب
قال في المعجم حرف السين عند ذكره سامرّاء : الغريب قصر للمتوكّل في سامرّاء أنفق عليه عشرة آلاف ألف درهم .
وقال المسعودي : قصر الغريب أنفق عليه المتوكّل عشرة آلاف ألف درهم ، وكان من طريف أبنيته وغرابة مقصوراته يسمّونه غريبا .

قصر الغرد
قال في مراصد الاطّلاع : قيل بسكون الراء ، بناء للمتوكّل بسامرّاء على دجلة .
قال : وكأنّه الغرد - بفتح أوّله وكسر ثانيه - وهو كلّ ذي صوت طيّب ، واسم جبل .
وقال المسعودي : قصر الغرد أنفق عليه المتوكّل ألف ألف درهم وهو كان على دجلة .

قصر القلائد
قال الطبري في حوادث سنة 229 من تاريخه : قال عروة بن عبد العزيز الأنصاري : كنّا ليلة في هذه السنة عند الواثق فقال : لست أشتهي الليلة النبيذ ولكن هلمّوا نتحدّث الليلة ، فجلس في رواقه الأوسط في الهاروني في البناء الأوّل الذي كان إبراهيم بن رياح بناه وقد كان في أحد شقّي ذلك الرواق قبّة مرتفعة في السماء بيضاء كأنّها بيضة إلّا أنّه قدر ذراع فيما ترى العين حولها وفي وسطها ساج منقوش مغشى باللازورد والذهب ، وكانت تسمّى قبّة المنطقة ، وكان ذلك الرواق يسمّى رواق قبّة المنطقة .

قصر الكوير
جاء في كتاب الآثار القديمة العراقيّة: الكوير بقايا العاشق قصر ويستند إلى مسنّاة قويّة يستدلّ من موقعه ومسنّاته بأنّه هو القصر الهاروني الذي بناه الخليفة هارون الواثق على دجلة وجعل فيه مجالس في دكّة شرقيّة ودكّة غربيّة حسب وصف اليعقوبي ، ومعالمه تكاد تزول بسبب تهافت الأهلين على اقتلاع الآجر من جدرانه والبلوغ في ذلك حتّى أسّسها ، ومنظر هذا القصر من الجوّ يعطي فكرة عامّة من تقسيماته الأساسيّة أنّ قاعدة الحوض الكبير المعروف في دار الآثار العربيّة ببغداد نقلت من بين أنقاض القصر المذكور .
أقول : إنّ ما ذكره من أنّ قاعدة الحوض نقل من بين أنقاض القصر المذكور لا يوافق الحقيقة لأنّي كنت ممّن حضر حين إخراج الحوض من تحت الأنقاض فكان موضوعا في قبلة بركة السباع من جهة الشرق وصرّح أنّ الكوير يقع في الجهة الشماليّة الغربيّة من بيت الخليفة .

قصر اللؤلؤ
قال في المعجم عند ذكره سامرّاء : اللؤلؤ اسم قصر للمتوكّل في سامرّاء أنفق له خمسة آلاف ألف درهم ، ومثله في مروج الذهب للمسعودي . وللمعتصم أيضا قصر سماّه اللؤلؤ .
قال الطبري : ثمّ بنى المعتصم للأفشين حيدر بن كاوس حبسا مرتفعا وسماّه لؤلؤ ، داخل الجوسق ، وهو يعرف بالأفشين ، وكان الحبس الذي بنى للأفشين شبيها بالمنارة وجعل في وسطها مقدار مجلسه ، ثمّ إنّ المعتصم قتل الأفشين خوفا منه ، كما سيأتي .
ذكر الدكتور أحمد سوسه في ريّ سامرّاء: ولتموين المدينة الجديدة بالمياه السيحيّة أخرج المتوكّل نهرا من ضفة دجلة اليسرى من نقطة تقع على بعد حوالي أربعين كيلومترا من شمال مدينة تكريت ويسير هذا النهر على محاذاة دجلة جنوبا مسافة حوالي ستّين كيلومترا حتّى يصل إلى المتوكّليّة . وقد سمّي النهر الجعفري ، وأنفق عليه ما يقرب من مليون دينار إلّا أنّه كان مشروعا فاشلا .
ويلاحظ أنّ المتوكّل كان يشرف شخصيّا على أعمال المدينة الجديدة في الماحوزة وعلى حفر النهر الذي يمدّها بالمياه ، فانتقل من سرّ من رأى وجعل مقرّه في قرية المحمّديّة ليكون قريبا من ساحة العمل فيسهل الإشراف عليه عن قرب .
أمّا موضع قرية المحمّديّة فيقول البلاذري إنّها قريبة من الماحوزة وإنّها كانت تعرف بالأيتاخيّة نسبة إلى أيتاخ التركي ثمّ سماّها المتوكّل المحمّديّة باسم ابنه محمّد المنتصر ، وكانت تعرف أوّلا بدير أبي الصفرة ؛ وهم قوم من الخوارج غير أنّ ابن سرابيون اعتبر الأيتاخيّة والمحمّديّة قريتين منفصلتين وقال : إنّهما تقعان بالقرب من بعضهما على القاطول الأعلى الكسروي الأيتاخيّة من الشمال ، والمحمّديّة جنوبها ، وذلك على مسافة قليلة من صدره . وأضاف ابن سرابيون إلى ذلك قوله :
إنّه كان على القاطول جسر من الحجارة عند الأيتاخيّة وجسر من الزواريق عند المحمّديّة . وجاء ذكر المحمّديّة أيضا فيما رواه الطبري عن مقتل أبي نصر في حوادث سنة 256 .

قصر المختار
قال الحموي في المعجم في حرف الميم : المختار قصر كان بسامرّاء من أبنية المتوكّل . ذكر أبو الحسن عليّ بن يحيى المنجّم عن أبيه قال : أخذ الواثق بيدي يوما وجعل يطوف الأبنية بسامرّاء ليختار بها بيتا يشرب فيه ، فلمّا انتهى إلى البيت المعروف بالمختار استحسنه وجعل يتأمّله وقال لي : هل رأيت أحسن من هذا البناء ؟ فقلت : يمتّع اللّه أمير المؤمنين وتكلّمت بما حضرني ، وكانت فيها صور عجيبة من جملتها صورة بيعة فيها رهبان وأحسنها صورة شهّار البيعة ، فأمر بفرش الموضع وإصلاح المجلس وحضر الندماء والمغنّون وأخذنا في الشراب ، فلمّا انتشى في الشرب أخذ سكّينا لطيفا وكتب على حائط البيت هذه الأبيات :
ما رأينا كبهجة المختار * لا ولا مثل صورة الشهّار
مجلس حفّ بالسرور وبالنر * جس والأنس والغنا والزمّار
ليس فيه عيب سوى أنّ ما * فيه سيفنى بنازل الأقدار
فقلت : يعيذ اللّه أمير المؤمنين ودولته من هذا ووجمنا . فقال : شأنكم وما فاتكم من وقتكم وما يقدّم قولي شرّا ولا يؤخّر خيرا .
قال أبو علي : فاجتزت بعد سنيّات بسرّ من رأى فرأيت بقايا هذا البيت وعلى حائط من حيطانه مكتوب هذه الأبيات :
هذي ديار ملوك دبّروا زمنا * أمر البلاد وكانوا سادة العرب
عصى الزمان عليهم بعد طاعته * فانظر إلى فعله بالجوسق الخرب
وبزركوار وبالمختار قد خلتا * من ذلك العزّ والسلطان والرتب
قال المسعودي : والمختار قصر كان بسامرّا من أبنية المتوكّل ، أنفق عليه خمسة آلاف ألف درهم .
وذكره في مراصد الاطّلاع أيضا وقال : المختار قصر كان بسامرّاء من أبنية المتوكّل ، أنفق عليه خمسة آلاف ألف ، ولم يذكر درهم أو دينار .
والواثق قبل المتوكّل ولعلّ المتوكّل زاد في بنائه أو بنى قصرا آخر باسمه أو قصّة عليّ بن يحيى كانت مع المتوكّل .

قصر المتوكّليّة
قال المسعودي في مروج الذهب : المتوكّليّة هو الذي يقال له الماحوزة ، أنفق عليه خمسين ألف ألف درهم .
وفي المعجم : المتوكّليّة مدينة بناها المتوكّل على قرب سامرّاء بنى فيها قصرا وسماّه الجعفري . ومنه يعلم أنّ المتوكّليّة اسم المدينة والجعفري اسم قصره .
وجاء في كتاب الآثار العراقيّة : المتوكّليّة يقع في أقصى الشمال هو القصر الجعفري الذي بناه جعفر المتوكّل في المدينة الجديدة التي اختطّها وسماّها باسمه ، وإنّ أسوارها الطويلة وأطلالها الفسيحة تشاهد بوضوح من فوق التلّ الذي يعلو قنطرة الرصاص .

قصر المطيرة
قال اليعقوبي في البلدان : أقطع المعتصم الأفشين حيدر بن كاوس الأشروسني في آخر البناء شرقا على قدر فرسخين وسمّى الموضع المطيرة ، فلمّا قتل أفشين نزل فيه صالح بن وصيف إلى أن نزل فيه المعتزّ بن المتوكّل .
وقال الطبري في تاريخه في حوادث سنة 223 : وكان قدوم الأفشين في سامرّاء ببابك الخرّمي ليلة الخميس لثلاث خلون من صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين فأنزله الأفشين في قصره بالمطيرة ، إلى آخر ما يأتي في محلّه .
وقال الحموي في المعجم : المطيرة - بالفتح ثمّ الكسر فعيلة من المطر ويجوز أن يكون مفعلة اسم المفعول من طار يطير - هي قرية من نواحي سامرّاء وكانت من متنزّهات بغداد وسامرّاء .
قال البلاذري : وبيعة مطيرة محدثة بنيت في خلافة المأمون ونسبت إلى مطر بن فزارة الشيباني ، وكان يرى رأي الخوارج ، وإنّما هي المطريّة فغيّرت فقيل المطيرة ، وقد ذكرها الشعراء في أشعارهم فمن ذلك قول بعضهم :
سقيا ورعيا للمطيرة موضعا * أنواره ظهرت وخيره مشهور
وترى البهار معانقا لبنفسج * وكأنّ ذلك زائر ومزور
وكأنّ نرجسها عيون كحّلت * بالزعفران جفونها الكافور
تحي النفوس بطيبها فكأنّها * طعم الرضاب تنالها المهجور
منقول عن كتاب آثار البلاد وأخبار العباد للقزويني أنّ المطيرة من قرى سامرّاء أشبه أرض اللّه بالجنان من لطافة الهواء وعذوبة الماء وطيب التربة وكثرة الرياحين وهي من متنزّهات بغداد يأتيها أهل الخلاعة ، وفي وصفها قال بعض الشعراء :
سقى اللّه المطيرة ذات الظلّ والشجر * ودير عبدون هطّال من المطر

قصر المحمّديّة
بناه المتوكّل في سامرّاء ؛ قاله الطبري ، وكأنّه سماّه باسم ولده محمّد المنتصر .

قصر المحدث
قال الطبري في سيرة المنتصر : إنّ محمّدا المنتصر توفّي في قصر المحدث بسامرّاء .

قصر الوحيد
قال المسعودي في مروج الذهب : اسم قصر بسامرّاء للمتوكّل وأنفق عليه ألفي ألف درهم .

قصر الهاروني
قال في المعجم : اسم قصر قرب سامرّاء ينسب إلى هارون الواثق باللّه وهو على دجلة بينه وبين سامرّاء ميل ، وبإزائه بالجانب الغربي المعشوق .

وقال في المراصد : الهاروني قصر قرب سامرّاء ينسب إلى هارون الواثق باللّه على شاطئ دجلة في شرقيها وبإزائه في الجانب الغربي المعشوق .
قد أوردنا لك جملة وافية من القصور الجليلة في سامرّاء ممّا وصلت إليه يد التتبّع وظفر نابها ، وحسب ما ذكره اليعقوبي في البلدان « 1 » بقوله : وصيّر إلى كلّ رجل من أصحابه بناء قصر فجعلوا يبنون القصور في أقطاعهم :
منها قصر أيتاخ الذي كان من الأتراك وكان مملوكا لسلام بن الأبرش اشتراه المعتصم فعلا قدره عنده .
وقصر وصيف الذي كان من الأتراك وكان مملوكا لآل نعمان وكان زرّادا ، اشتراه المعتصم فصار من قوّاد جيوشه ، وسنتلو عليك نبذة من أخباره في محلّه .
وقصر سيما الدمشقي وكان مملوكا لذي الرياستين اشتراه المعتصم فحظى عنده .
وقصر الفضل بن مروان شاعر المعتصم ، وكان وزيره ، وكان منحرفا عن أمير المؤمنين عليه السّلام .
وقصر محمّد بن عبد الملك الزيّات المعروف .
وقصر ابن أبي دؤاد القاضي ، وسنتلو عليك أخباره في محلّه .
وقصر أبي الوزير أحمد بن خالد ، وقصره كان معروفا بالوزيري .
وقصر الحسن بن سهل أخي الفضل بن سهل ذي الرياستين .
قصر إسحاق بن إبراهيم الذي كان من ندماء المأمون والمعتصم ، وله نوادر كثيرة .
قصر إسحاق بن يحيى بن معاذ .
وقصر أبي أحمد بن رشيد .
وقصر هاشم ابن بانيجور .
وقصر عجيف بن عنبسة من أعاظم الأتراك ، قتله المعتصم .
وقصر الحسن بن علي المأموني .
وقصر هارون بن نعيم .
وقصر حزام بن غالب ويعقوب أخيه .
وقصر دليل بن يعقوب النصراني .
وقصر جعفر الخيّاط ، وقصر العبّاس بن علي المهدي ، وقصر عبد الوهّاب ابن علي المهدي ، وقصر المبارك المغربي ، وقصر يحيى بن أكثم القاضي ، وقصر بختيشوع النصراني ، وقصر إبراهيم بن رياح ، وقصر موسى بغا الكبير ، وقصر مسرور الخادم ، وقصر موسى البغا الصير ، وقصر قرقاس الخادم ، وقصر ثابت الخادم ، وقصر سمانة الخادم ، وقصر برمش الخادم ، وقصر أحمد بن الخطيب ، وقصر الفتح بن خاقان الوزير ، وقصر محمّد بن موسى المنجّم ، وغير ذلك من قصور القوّاد والكتّاب والخزريّة والهاشميّة الزيديّة والأتراك وأخلاط الناس كلّ هذه كانت من الأبنية الجليلة في سرّ من رأى .