التوقيع الثمانون
غيبة الطوسي : 188 - 192
روى الطوسي رحمه الله قال : أخبرني محمّد بن محمّد بن النعمان والحسين بن عبيداللَّه عن محمّد بن أحمد الصفواني رحمه الله قال :
رأيت القاسم بن العلاء وقد عمّر مائة سنة وسبع عشرة سنة منها ثمانون سنة صحيح العينين ، لقي مولانا أبا الحسن وأبا محمّد العسكريّين عليهما السلام ، وحُجِبَ بعد الثمانين ورُدّت عليه عيناه قبل وفاته بسبعة أيّام ، وذلك أنّي كنت مقيماً عنده بمدينة الران من أرض آذربايجان وكان لا تنقطع توقيعات مولانا صاحب الزمان عليه السلام على يد أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري وبعده على أبي القاسم ابن روح قدّس اللَّه روحهما ، فانقطعت عنه المكاتبة نحواً من شهرين فقلق رحمه الله لذلك ، فبينا نحن عنده نأكل إذ دخل البوّاب مستبشراً فقال له : فيج العراق لا يُسمَّى بغيره ، فاستبشر القاسم وحوّل وجهه إلى القبلة فسجد ودخل كهل قصير يرى أثر الفيوج عليه وعليه جبّة مصريّة ، وفي رجله نعل محاملي ، وعلى كتفه مخلاة ، فقام القاسم فعانقه ووضع المخلاة عن عنقه ، ودعا بطشت وماء فغسل يده ، وأجلسه إلى جانبه ، فأكلنا وغسلنا أيدينا ، فقام الرجل فأخرج كتاباً أفضل من النصف المدرج فناوله القاسم فأخذه وقبّله ودفعه إلى كاتبٍ له يقال له : ابن أبي سلمة ، فأخذه أبو عبداللَّه ففضّه وقرأه حتّى أحسّ القاسم ببكائه ، فقال : يا أبا عبداللَّه خير ، فقال :
خير ، فقال : ويحك خرج فيّ شيء ؟ فقال أبو عبداللَّه : ما تكره فلا ، قال القاسم :
فما هو ؟
قال : نعى الشيخ إلى نفسه بعد ورود هذا الكتاب بأربعين يوماً ، وقد حمل إليه سبعة أثواب ، فقال القاسم : في سلامةٍ من ديني ؟ فقال : في سلامة من دينك ، فضحك رحمه الله فقال : ما أُؤمّل بعد هذا العمر .
فقال الرجل الوارد فأخرج من مخلاته ثلاثة أُزُر وحبرة يمانيّة حمراء وعمامة وثوبين ومنديلًا فأخذه القاسم ، وكان عنده قميص خلعه عليه مولانا الرضا أبو الحسن عليه السلام ، وكان له صديق يقال له عبد الرحمن بن محمّد البدري ، وكان شديد النصب ، وكان بينه وبين القاسم - نضّر اللَّه وجهه - مودّة في أُمور الدنيا شديدة ، وكان القاسم يودّه ، وقد كان عبد الرحمن وافى إلى الدار لإصلاح بين أبي جعفر بن حمدون الهمداني وبين ختنه ابن القاسم .
فقال القاسم لشيخين من مشايخنا المقيمين معه أحدهما يقال له أبو حامد ابن عمران المفلس والآخر أبو عليّ بن جحدر : أن اقرئا هذا الكتاب على عبد الرحمن ابن محمّد فإنّي أُحبّ هدايته وأرجو يهديه اللَّه بقراءة هذا الكتاب ، فقالا له : اللَّه اللَّه اللَّه فإنّ هذا الكتاب لا يحتمل ما فيه خلقٌ من الشيعة فكيف عبد الرحمن بن محمّد ؟
فقال : أنا أعلم أنّي مُفْشٍ لسرٍّ لا يجوز لي إعلانه لكن من محبّتي لعبد الرحمن ابن محمّد وشهوتي أن يهديه اللَّه عزّ وجلّ لهذا الأمر هو ذا ، أقرئه الكتاب ، فلمّا مرّ ذلك اليوم - وكان يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من رجب - دخل عبد الرحمن ابن محمّد وسلّم عليه ، فأخرج القاسم الكتاب فقال له : اقرأ هذا الكتاب وانظر لنفسك ، فقرأ عبد الرحمن الكتاب فلمّا بلغ إلى موضع النعي رمى الكتاب من يده وقال للقاسم : يابا محمّد ، اتّق اللَّه فإنّك رجلٌ فاضل في دينك متمكّن من عقلك واللَّه عزّ وجلّ يقول : « وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ » « لقمان : 34 » وقال : « عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً » !
فضحك القاسم وقال له : أتمّ الآية : « إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ » « الجنّ : 26 - 27 » ومولاي عليه السلام هو الرضا من الرسول ، وقال : قد علمتُ أنّك تقول هذا ولكن أرِّخ اليوم فإن أنا عشتُ بعد هذا اليوم المؤرَّخ في هذا الكتاب فاعلم أنّي لستُ على شيء ، وإن أنا مِتُّ فانظر لنفسك !
فورَّخ عبد الرحمن اليوم وافترقوا ، وحمّ القاسم يوم السابع من ورود الكتاب واشتدّت به في ذلك اليوم العلّة ، واستند في فراشه إلى الحائط ، وكان ابنه الحسن ابن القاسم مدمناً على شرب الخمر ، وكان مُتزوِّجاً إلى أبي عبداللَّه حمدون الهمداني وكان جالساً ورداؤه مستورٌ على وجهه في ناحية من الدار وأبو حامد في ناحية ، وأبو جعفر بن جحدر وأنا وجماعة من أهل البلد نبكي ، إذا اتّكئ القاسم على يديه إلى خلف وجعل يقول : يا محمّد يا عليّ يا حسن يا حسين يا مواليّ كونوا شفعائي إلى اللَّه عزّ وجلّ ، وقالها الثانية ، وقالها الثالثة ، فلمّا بلغ في الثالثة : يا موسى يا عليّ تفرقعت أجفان عينيه كما يفرقع ا لصبيان شقائق النعمان ، وانتفخت حدقته ، وجعل يمسح بكمِّه عينيه ، وخرج من عينيه شبيه بماء اللحم ، مَدّ طرفه إلى ابنه فقال : يا حسن إليّ ، يابا حامد إليّ ، يابا عليّ إليّ ، فاجتمعنا حوله ونظرنا إلى الحدقتين صحيحتين ، فقال له أبو حامد : تراني وجعل يده على كلّ واحدٍ منّا .
وشاع الخبر في الناس والعامّة ، وانتابه الناس من العوام ينظرون إليه ، وركب القاضي إليه وهو أبو السائب عُتبة بن عبداللَّه المسعودي وهو قاضي القضاة ببغداد فدخل عليه فقال له : يابا محمّد ، ما هذا الذي بيدي ، وأراه خاتماً فُصّه فيروزج ، فقرّبه منه فقال عليه ثلاثة أسطر ، فتناوله القاسم رحمه الله فلم يمكنه قراءته ، وخرج الناس متعجِّبين يتحدّثون بخبره ، والتفت القاسم إلى ابنه الحسن فقال له : إنّ اللَّه مُنزِلك منزلةً ومرتبك مرتبةً فاقبلها بشكر ، فقال له الحسن : يا أبة ، قد قبلتها ، قال القاسم : على ماذا ؟ قال : على ما تأمرني به يا أبة ، قال : على أن ترجع عمّا أنت عليه من شرب الخمر ، قال الحسن : يا أبة ، وحقّ مَن أنت في ذكره لأرجعنّ عن شرب الخمر ومع الخمر أشياء لا تعرفها ، فرفع القاسم يده إلى السماء وقال : اللهمّ ألْهِم الحسن طاعتك وجَنِّبهُ معصيتك - ثلاث مرّات - ثمّ دعا بدرج فكتب وصيّته بيده رحمه الله وكانت الضياع التي في يده لمولانا وقف وقفه أبوه .
وكان فيما أوصى الحسن أن قال : يا بُنيّ ، إن أُهِّلت لهذا الأمر - يعني الوكالة لمولانا - فيكون قوتك من نصف ضيعتي المعروفة بفرجيذة ، وسائرها ملك لمولاي ، وإن لم تُؤهَّل له فاطلب خيرك من حيث يتقبّل اللَّه ، وقبل الحسن وصيّته على ذلك ، فلمّا كان في يوم الأربعين وقد طلع الفجر مات القاسم رحمه الله ، فوافاه عبد الرحمن يعدو في الأسواق حافياً حاسراً وهو يصيح : واسيّداه ، فاستعظم الناس ذلك منه ، وجعل الناس يقولون : ما الذي تفعل بنفسك ؟ فقال : اسكتوا فقد رأيت ما لم تروه ، وتشيّع ورجع عمّا كان عليه ، ووقف الكثير من ضياعه ، وتولّى أبو عليّ بن جحدر غسل القاسم وأبو حامد يصبّ عليه الماء ، وكفِّن في ثمانية أثواب على بدنه قميص مولاه أبي الحسن وما يليه السبعة الأثواب التي جاءته من العراق ، فلمّا كان بعد مدّة يسيرة ورد كتاب تعزية على الحسن من مولانا عليه السلام في آخره دعاء : ألهَمَك اللَّه طاعته ، وجَنَّبَكَ معصيته ، وهو الدعاء الذي كان دَعا به أبوه ، وكان آخره : قد جعلنا أباك إماماً لك وفِعاله لك مثالًا . ( انتهى ) .