توقيعات الناحية المقدسة
التوقيع السادس عشر

احتجاج الطبرسي 2 : 306 - 309 ، البحار 53 : 159 - 162

وفي كتاب آخر لمحمّد بن عبداللَّه الحميري إلى صاحب الزمان عليه السلام من جواب مسائله التي سألهُ عنها ، في سنة سبع وثلاثمائة .

سأله عن المُحرم يجوز أن يشدّ الميزر من خَلفه على عقبه بالطول ، ويرفع طَرَفَيْه إلى حقوَيْه ويجمعهما في خاصرته ويعقدهما ، ويخرج الطرفين الآخرين من بين رجليه ويرفعهما إلى خاصرته ، ويشدّ طرفيه إلى وركيه ، فيكون مثل السراويل يستر ما هناك ، فإنّ المئزر الأوّل كنّا نتّزر به إذا ركب الرجل جمله يكشف ما هناك وهذا أستر .

فأجاب عليه السلام : جائزٌ أن يتّزر الإنسان كيف شاءَ إذا لم يُحدث في المئزر حَدَثاً بمقراض ولا إبْرة يخرجه به عن حدِّ المئزر ، وغَرزه غَرزاً ، ولم يُعقده ولم يشدَّ بعضه ببعض ، إذا غَطّى سرَّته وركبتيه كلاهما ، فإنّ السُنّة المجمع عليها بلا خلاف تغطية السرَّة والركبتين ، والأحبّ إلينا والأفضل لكلّ أحدٍ شدّه على السبيل المعروفة للناس جميعاً إن شاء اللَّه .

وسأله رحمه الله : هل يجوز أن يشدّ عليه مكان العقد تكّة ؟

فأجاب عليه السلام : لا يجوز شدُّ المئزر بشيءٍ سواه من تكّة ولا غيرها .

وسأل عن التوجّه للصلاة أيقول : « على ملّة إبراهيم ، ودين محمّد ؟ » فإنّ بعض أصحابنا ذكر أنّه إذا قال : « على دين محمّد » فقد أبدَع ، لأنّا لم نجده في شيء من كتب الصلاة خَلا حديثاً في كتاب القاسم بن محمّد عن جدّه الحسن بن راشد أنّ الصادق عليه السلام قال للحسن : كيف تتوجّه ؟ قال : أقول : « لبّيك وسَعدَيك » فقال له الصادق عليه السلام : « ليسَ عن هذا أسألك ، كيف تقول : « وجّهت وجهي للّذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً » ؟ قال الحسن ، أقوله ، فقال له الصادق عليه السلام : إذا قلت فقل : « على ملّة إبراهيم ، ودين محمّد ، ومنهاج عليّ بن أبي طالب والائتمام بآل محمّد حَنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين » .

فأجاب عليه السلام : التوجّه كُلّه ليس بفريضة والسنّة المؤكّدة فيه التي هي كالإجماع الذي لا خلاف فيه : « وجَّهْتُ وجهي للّذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مُسلماً على ملّة إبراهيم ، ودين محمّد ، وهُدَى أمير المؤمنين ، وما أنا من المشركين ، إنّ صلاتي ونُسكي ومَحيايَ ومَماتي للّه ربّ العالمين ، لا شريك له وبذلك أُمِرتُ وأنا من المسلمين ، اللّهمّ اجْعَلني من المسلمين ، أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم » ثمّ يقرأ الحمد .

قال الفقيه الذي لا يُشَكُّ في علمه : « الدِّين لمحمّد ، والهداية لعليّ أمير المؤمنين ، لأنّها له وفي عقِبِهِ باقيةً إلى يوم القيامة ، فمن كان كذلك فهو من المهتدين ، ومَن شَكّ فلا دين له » ونعوذ باللّه في ذلك من الضلالة بعد الهُدى .

وسأله عن القنوت في الفريضة إذا فرغ من دعائه أن يرُدّ يديه على وجهه وصدره للحديث الذي روي أنّ اللَّه عزّ وجلّ أجلّ من أن يَرُدّ يَدَي عبده صفراً بل يملأها من رحمته أم لا يجوز ؟ فإنّ بعض أصحابنا ذكر أنّه عمل في الصلاة ؟

فأجاب عليه السلام : رَدُّ اليَدَين من القنوت على الرأس والوجه غير جائز في الفرائض ، والذي عليه العمل فيه إذا رفع يده في قنوت الفريضة ، وفرغ من الدعاء أن يردّ بطن راحتيه مع صدره تلقاء ركبتيه على تَمَهّل ، ويكبِّر ويركع ، والخبر صحيح وهو في نوافل النهار والليل ، دون الفرائض ، والعمل به فيها أفضل .

وسأل عن سجدة الشكر بعد الفريضة ، فإنّ بعض أصحابنا ذكر أنّها بدعة ، فهل يجوز أن يسجدها الرجل بعد الفريضة ؟ وإن جاز ففي صلاة المغرب هي بعد الفريضة أو بعد الأربع ركعات النافلة ؟

فأجاب عليه السلام : سجدة الشكر من ألزم السنن وأوجبها ، ولم يَقُل إنّ هذه السجدة بدعة إلّامن أراد أن يُحدِث في دين اللَّه بدعة . وأمّا الخبر المرويّ فيها بعد صلاة المغرب والاختلاف في أنّها بعد الثلاث أو بعد الأربع ، فإنّ فضل الدعاء والتسبيح بعد الفرائض على الدعاء بعقيب النوافل ، كفضل الفرائض على النوافل والسجدة دعاء وتسبيح ، والأفضل أن يكون بعد الفرض ، فإن جعلت بعد النوافل أيضاً جاز .

وسأل أنّ لبعض إخواننا ممّن نعرفه ضيعة جديدة بجنب ضيعة خراب للسلطان فيها حصّة ، وأكرته ربّما زرعوا حدودها ، وتؤذيهم عمّال السلطان ، ويتعرّض في الأكل من غلّات ضيعته ، وليس لها قيمة لخرابها ، وإنّما هي بائرة منذ عشرين سنة ، وهو يتحرّج من شرائها لأنّه يقال : إنّ هذه الحصّة من هذه الضيعة ، كانت قبضت عن الوقف قديماً للسلطان ، فإن جاز شراؤها من السلطان ، وكان ذلك صواباً كان ذلك صلاحاً له ، وعمارةً لضيعته ، وإنّه يزرع هذه الحصّة من القرية البائرة لفضل ماء ضيعته العامرة ، وينحسم عنه طمع أولياء السلطان ، وإن لم يجز ذلك عمل بما تأمره إن شاء اللَّه .

فأجابه عليه السلام : الضيعة لا يجوز ابتياعها إلّامن مالكها أو بأمره ورضاً منه .

وسأل عن رجل استحلّ بامرأة من حجّابها ، وكان يتحرّز من أن يقع ولد فجائت بابنٍ فتحرّج الرجل أن يقبله ، فقبله وهو شاكّ فيه ، ليس يخلطه بنفسه ، فإن كان ممّن يجب أن يخلطه بنفسه ويجعله كسائر ولده فعل ذلك ، وإن جاز أن يجعل له شيئاً من ماله دون حَقِّه فعل .

فأجاب عليه السلام : الاستحلال بالمرأة يقع على وجوه ، والجواب يختلف فيها ، فليذكر الوجه الذي وقع الاستحلال به مشروحاً ليعرف الجواب فيما يسأل عنه من أمر الولد إن شاء اللَّه .

وسأله الدعاء له ، فخرج الجواب :

جاد اللَّه عليه بما هو أهله إيجابنا لحقّه ورعايتنا لأبيه رحمه اللَّه ، وقربة منّا بما علمناه من جميل نيّته ، ووقفنا عليه من مخالطته المقرِّبة له من اللَّه التي ترضي اللَّه عزّ وجلّ ورسوله وأولياءه عليهم السلام بما بدانا ، نسأل اللَّه بمسألته ما أمّله من كلّ خير عاجلٍ وآجلٍ ، وأن يُصلِحَ له من أمر دينه ودنياه ما يُحبّ صلاحه إنّه وليّ قدير .

( انتهى )