الغيبة الصغرى
للقائم غيبتان

للإمام المهدي ( عجل اللّه تعالى فرجه الشّريف ) وفقا لما جاء في الأحاديث المتواترة عن النبي وأهل بيته عليهم السّلام غيبتان صغرى وكبرى .

أما الغيبة الصغرى فقد اختلف العلماء والمحدثون حول تاريخ بدايتها ، فقد رأى البعض أنها تبدأ من تاريخ ولادة الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف لأن حياته منذ الولادة كانت مقرونة بالاستتار عن الناس ، فتكون حينئذ السنوات الخمس التي قضاها الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف مع والده الإمام العسكري عليه السّلام من ضمن الغيبة الصغرى ، وهذا ما ذهب إليه الشيخ المفيد وغيره من العلماء .

وبناء على هذا تكون الغيبة الصغرى قد بدأت من عام خمس وخمسين ومائتين للهجرة .

ومنهم من رأى أن الغيبة الصغرى تبدأ من حين وفاة الإمام العسكري عليه السّلام وتولي الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف الإمامة ، حيث بدأها عليه السّلام بالإيعاز بنصب وكيله الأول حين قابله وفد من أهل قم .

فتكون الغيبة الصغرى قد بدأت من اليوم الثامن من شهر ربيع الأول من عام 260 للهجرة وقد قابل عليه السّلام وفد القميين في نفس اليوم .

وقد استمرت هذه الغيبة إلى زمان انقطاع السفارة بينه وبين شيعته بوفاة السفراء وعدم نصب غيرهم وهي أربع وسبعون سنة بناء على الرأي القائل بأن بدء غيبته عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف كانت منذ ولادته .

وفي هذه المدة كان السفراء يرونه وربما رآه غيرهم ، ويصلون إلى خدمته وتخرج على يديهم توقيعات منه إلى شيعته في أجوبة المسائل وفي أمور شتى .

وأما الغيبة الكبرى فقد وقعت بعد الأولى ، وذلك بعد وفاة السفير الرابع أبي الحسن علي بن محمد السمري في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة . وهذا ما سنتحدث عنه مفصلا في البحوث القادمة .

وهذه الغيبة ( الصغرى والكبرى ) لصاحب العصر والزمان عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ثابتة بالنصوص الواردة في كتب الأحاديث ونذكر منها :

عن الإمام الصادق عليه السّلام قال :

« للقائم غيبتان إحداهما طويلة والأخرى قصيرة ، فالأولى يعلم بمكانه فيها خاصة من شيعته ، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه في دينه »[1].

عن زرارة عن الإمام الصادق عليه السّلام أنه قال :

« إن للقائم غيبتين يرجع في إحداهما ، والأخرى لا يدري أين هو ، يشهد الموسم ، يرى الناس ولا يرونه »[2].

وعنه عليه السّلام قال :

« إن لصاحب هذا الأمر غيبتين إحداهما تطول حتى يقول بعضهم مات ، وبعضهم يقول ذهب فلا يبقى على أمره من أصحابه إلا نفر يسير لا يطلع على موضعه أحد من ولي ولا غيره إلا المولى الذي يلي أمره »[3].

وعن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في تفسيره لقوله تعالى : وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ قال :

« فينا نزلت هذه الآية ، وجعل اللّه الإمامة في عقب الحسين إلى يوم القيامة ، وإن للقائم منا غيبتين إحداهما أطول من الأخرى فلا يثبت على إمامته إلا من قوي يقينه وصحت معرفته »[4].

ومما روي أيضا عنه عليه السّلام :

« للقائم منا غيبة أمدها طويل كأني بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته يطلبون المرعى فلا يجدونه ، ألا فمن ثبت منهم على دينه ولم يقس قلبه لطول غيبة إمامه فهو معي في درجتي يوم القيامة ، ثم قال : إن القائم منا إذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة فلذلك تخفى ولادته ، ويغيب شخصه »[5].

وفيما روي عن الإمام الصادق عليه السّلام أنه سأله أحدهم فقال :

قد روي لنا أخبار عن آبائك عليهم السّلام في الغيبة وصحة كونها فأخبرني بمن تقع ؟

فقال عليه السّلام :

« إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي ، وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وآخرهم القائم بالحق بقية اللّه في الأرض ، وصاحب الزمان ، واللّه لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا »[6].

وفي عصر الغيبة الصغرى عاش الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف فترة من الزمن في ظل رعاية أبيه الإمام الحسن العسكري عليه السّلام ، واستلم زمام الإمامة من بعده وقام بتعيين سفرائه الأربعة الذين كانوا مصدر التواصل بينه وبين الناس ويمكن القول بأن الإمام لم يغب عن الأنظار بالشكل الكلي في الغيبة الصغرى ، ولهذا فإن هذه الفترة من حياة الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف كانت حافلة بالأحداث الهامة التي نرى أنه لا بد من تسليط الضوء عليها بالإضافة إلى الإجابة عن الأسئلة والشبهات التي وقعت حول أصل وسبب هذه الغيبة والعلّة والحكمة منها وغيرها من الشبهات الواردة في هذا المضمار .

 


[1] منتخب الأثر ، الباب 26 ، ص 256 - 257 ، ح 1 و 7 و 9 .

[2] المصدر نفسه .

[3] المصدر نفسه .

[4] المصدر السابق ، ص 256 ، ح 2 .

[5] منتخب الأثر ، ص 260 - 261 ، ح 3 وح 5 .

[6] المصدر نفسه .

الغيبة الصغرى وما جرى فيها من أحداث

لعل السر في وقوع الغيبة الصغرى هو عدم أنس الشيعة بالغيبة التامة ، فوقعت الغيبة الصغرى لتكون مقدّمة تمهيدية ومدخلا للغيبة الكبرى ، ولئلا يستوحش الشيعة منها إذا وقعت ، وامتد زمانها إلى سنة ( 329 هـ ) العام الذي توفى فيه السفير الرابع أبي الحسين علي بن محمد السمّري الذي ختمت به السفارة والنيابة الخاصة وبدأت الغيبة الكبرى مقدّمة للظهور المبارك لصاحب العصر عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف .

ومن أبرز مميزات فترة الغيبة الصغرى .

أولا : كونها مبدأ تولي الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ، للمنصب الإلهي الكبير في إمامة المسلمين بعد أبيه الراحل عليه السّلام ، لكي يتولى مسؤوليته الكبرى في قيادة قواعده الشعبية خاصة والبشرية كلها عامة ، إلى عالم السعادة والسلام .

ثانيا : عدم الاستتار الكلي للإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ، وإنما كان يتصل بعدد مهم من الخاصة ، لأجل مصالح كبرى ، كما في الكثير من الأحداث التي جرت في تلك الفترة .

ثالثا : وجود السفراء الأربعة ، الموكلين بتبليغ تعاليم الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف إلى الناس من قواعده الشعبية بحسب الوكالة الخاصة المنصوص عليها من قبل المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف نفسه أو من قبل آبائه عليهم السّلام ، وكان الأسلوب الرئيسي للمهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف في قيادة قواعده الشعبية وإصدار التعليمات وقبض الأموال ، هو ما يكون بتوسط هؤلاء السفراء وما يتسنى لهم من القيام به من قول أو عمل.

وبعد النص من الإمام على إلغاء عمل السفراء الخاصين ، ورد عنه عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف جملة من النصوص التي تحيل الناس على النواب العامين له والذين هم بحسب الروايات فقهاء الشيعة العدول الذين جعل لهم الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف منصب المرجعية والنيابة العامة عنه في زمن الغيبة الصغرى .

ومن هذه الأحاديث ما ورد في بعض توقيعاته عليه السّلام :

« وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة اللّه عليهم » .

رابعا : ادعاء البعض للسفارة والنيابة عن الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ، ومن هؤلاء بعض أصحاب الإمام الهادي والإمام العسكري عليه السّلام ، وكانت محاولات هؤلاء تبوء بالفشل والخيبة نتيجة للجهود الواسعة التي بذلها السفراء في تكذيبهم وعزل الناس عنهم ، وكانت عاقبة أمر هؤلاء أن شملتهم اللّعنة الإلهية من الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ، ومن أهم هؤلاء المدعين للنيابة الخاصة محمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن العزاقر .

خامسا : المحاولات العديدة للسلطة العباسية التي حاولت جاهدة إغتيال الإمام أو إلقاء القبض عليه . وكل هذه المحاولات باءت بالفشل وقد تخللها العديد من المعجزات التي ظهرت للإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف والتي سنذكرها لاحقا إن شاء اللّه .

سادسا : عدم ابتعاد الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف عن مزاولة بعض الأعمال والقيام ببعض النشاطات التي كانت تتطلب منه أن يقابل بعض الشخصيات المعروفة والموثوق بها ، وكذلك تصرفه في شؤون الناس سواء الاجتماعية أو المالية ، وأيضا حلّه للكثير من المشكلات العامة والخاصة .

سابعا : محاولة السلطة العباسية إزاحة منصب ومقام الإمامة والولاية العظمى عن الخليفة الشرعي للإمام الحسن العسكري عليه السّلام والإيحاء للناس بأن الإمامة من بعده لأخيه جعفر ، ولكن سرعان ما تدخلت القدرة الإلهية لمنع حصول مثل هذا الأمر الخطير ، وبما أن المرتكز في أذهان الشيعة خاصة والناس عامة أن الإمام المعصوم لا يصلي عليه إلا إمام معصوم مثله فعندما أراد جعفر تبوّء هذا المنصب والصلاة على الإمام الحسن العسكري عليه السّلام وإذا بالناس تفاجأ بصبي صغير يخرج إليهم وهو يقول لجعفر « تنح يا عم ، فأنا أحق بالصلاة على أبي » ، فيتأخر جعفر من دون مناقشة ، ويتقدم الإمام عليه السّلام ويصلي على أبيه .

هذه الأحداث والوقائع وغيرها من سمات هذه المرحلة والفترة الزمنية من حياة الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف نقف عندها في ضمن بياننا لبعض مجريات الأحداث في عصر الغيبة الصغرى والمتعلقة بسيرة الإمام وحياته ونشاطاته وعلاقته بالناس وكيفية إتصاله بهم وموقفه من بعض الأحداث المرتبطة بشؤون الإمامة والولاية ، وموقف السلطة منه وغيرها من الأمور .

السفراء الأربعة

شغل مركز النيابة عن الإمام في فترة الغيبة الصغرى أربعة من علماء الشيعة الكبار وزهّادهم ومن أصحاب الأئمّة السابقين والذين عرفوا بالسفراء والنواب الأربعة وهم:

1. أبو عَمْرو عثمان بن سعيد العَمْري .

2. أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العَمْري .

3. أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي .

4. أبو الحسن علي بن محمد السَّمَري .

ومن المؤكد انّه كان للإمام وكلاء آخرون في مناطق مختلفة مثل بغداد الكوفة الأهواز همدان قم الري آذربايجان نيشابور وهم إمّا يتصلون بالإمام من خلال هؤلاء السفراء الأربعة وينقلون مشاكلهم ومسائلهم إليه (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف) وكانت التواقيع تصدر بحقهم من قبل الإمام ؛ أو كما احتمله بعض الباحثين انّ سفارة هؤلاء الأربعة ووكالتهم كانت سفارة عامة و كان للآخرين وكالة خاصة في جهات معينة كمحمد بن جعفر الأسدي أحمد بن إسحاق الأشعري القمي إبراهيم بن محمد الهمداني أحمد بن حمزة بن اليسع محمد بن إبراهيم بن مهزيار الحاجز بن يزيد محمد بن صالح أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري محمد بن علي بن بلال عمر الأهوازي وأبو محمد الوجنائي .

الف: أبو عَمروْ عثمان بن سعيد العَمْري: كان عثمان بن سعيد من بني أسد ولقّب بالعسكري لإقامته في مدينة سامراء ويعرف بالسمّان في الأوساط الشيعية لأنّه كان يمارس نشاطاته السياسية تحت غطاء الاتّجار بالسمن وكان يضع الأمانات والأموال المتعلّقة بالإمام التي يجمعها من الشيعة في أواني السمن فيسلّمها إلى الإمام وقد كان يحظى بثقة واحترام جميع الشيعة والجدير ذكره هو انّ عثمان كان قبل ذلك من وكلاء وأصحاب الإمامين الهادي والعسكري عليمها السَّلام الموثوق بهم .

قال أحمد بن إسحاق وهو من شخصيات الشيعة البارزة : دخلت على الإمام الهادي في يوم من الأيّام فقلت يا سيدي أنا أغيب وأشهد ولا يتهيأ لي الوصول إليك إذا شهدت في كلّ وقت فقول من أقبل وأمر من نمتثل ؟

فقال (عليه السلام) : هذا أبو عمرو الثقة الأمين ما قاله لكم فعنّي يقوله وما أدّاه إليكم فعنّي يؤدّيه ؛ فلمّا مضى الإمام الهادي وصلت إلى أبي محمد العسكري ذات يوم فقلت له مثل قولي لأبيه (عليه السلام) ؛ فقال (عليه السلام) لي: هذا أبو عمرو الثقة الأمين ثقة الماضي وثقتي في المحيا والممات فما قاله لكم فعنّي يقوله وما أدّى إليكم فعنّي يؤدّيه , ولمّا مات الإمام العسكري حضر غسله عثمان بن سعيد وتولّى جميع أمره في تكفينه وتحنيطه وتقبيره في الظاهر , وهو نفسه الذي استلم ذات يوم أموالاً من شيعة اليمن بأمر من الإمام العسكري فقال الإمام ردّاً على قولهم: يا سيدنا ولقد زدتنا علماً بموضعه من خدمتك وانّه وكيلك وثقتك على مال اللّه ولمن خيار شيعتك: نعم واشهدوا عليّ انّ عثمان بن سعيد العمري وكيلي وانّ ابنه محمداً وكيل ابني مهديكم.

وهكذا في خاتمة لقائه (عليه السلام) بالأربعين شيعياً قال (عليه السَّلام) للحاضرين: فاقبلوا من عثمان ما يقوله وانتهوا إلى أمره واقبلوا قوله فهو خليفة إمامكم والأمر إليه ؛ إنّ تاريخ وفاة عثمان مجهول واحتمل البعض انّه مات بين سني  260 ـ 267هـ واعتقد بعض آخر بأنّه مات عام 280 .

ب: محمد بن عثمان بن سعيد العَمْري : إنّ محمد بن عثمان كأبيه يعد من كبار الشيعة وكان يحظى باحترام وتقدير الشيعة  وهم يثقون بتقواه وعدالته وكان من أصحاب الإمام العسكري الموثوق بهم كما قال الإمام العسكري رداً على سؤال أحمد بن إسحاق وهو: عمّن آخذ وقول من أقبل؟: العمري وابنه ثقتان فما أدّيا إليك فعنّي يؤدّيان وما قالا لك فعنّي يقولان فاسمع لهما وأطعهما فانّهما الثقتان المأمونان , وصدر بعد أن مات عثمان توقيع من الإمام الغائب يعلن فيه عزاءه لموته ونصب ابنه محمّداً وكيلاً مكانه ؛ قال عبد اللّه بن جعفر الحِمْيَري: لمّا مضى أبو عمرو عثمان بن سعيد أتتنا الكتب بالخط الذي كنّا نكاتب به بإقامة أبي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد مقامه , وفي توقيع صادر من الإمام جواباً على أسئلة إسحاق بن يعقوب كتب (عليه السلام) : وأمّا محمّد بن عثمان العمري (رضي اللّه عنه) وعن أبيه من قبل فإنّه ثقتي وكتابه كتابي , وقد كان لأبي جعفر تأليفات فقهية صارت بعد وفاته بيد الحسين بن روح ثالث سفراء الإمام أو بحوزة أبي الحسن السمري السفير الرابع , وتولّى محمد بن عثمان السفارة والوكالة عن إمام الزمان مدة ما يقارب الأربعين عاماً وأعدّ خلال هذه الفترة وكلاء محليين وكان هو يشرف على نشاطاتهم ويدير أُمور الشيعة ويهتم بها وصدرت تواقيع عديدة من الإمام (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف) فوصلت من خلاله إلى الآخرين وأخيراً قد توفّي في عام 304 أو 305هـ

وقد أخبر عن يوم وفاته قبل أن يموت فمات في نفس ذلك التاريخ الذي أخبر عنه .

ج: أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي:  وفي الأيام الأخيرة من حياة أبي جعفر زاره جماعة من كبار الشيعة فقال: إن حدث علي حدث الموت فالأمر إلى أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي فقد أُمرت ان اجعله في موضعي بعدي فارجعوا إليه وعولوا في أُموركم عليه , وقد كان الحسين بن روح من أصحاب السفير الثاني المقرّبين وكان العمري يعدّه لأمر الوكالة والسفارة منذ وقت طويل فكان يحيل الشيعة في دفع الأموال إليه حيث كان همزة الوصل بين عثمان بن سعيد والشيعة ؛ كان الحسين بن روح قد ألّف كتاباً في فقه الشيعة تحت عنوان التأديب وقد أرسله إلى فقهاء قم لينظروا فيه فكتبوا رداً عليه: انّه كلّه صحيح يطابق فتاوى الشيعة وما فيه شيء يخالف إلاّ مسألة واحدة و قد أثنى بعض المعاصرين على عقله وفطنته ومعرفته فقال: وكان أبو القاسم من أعقل الناس عند المخالف والموافق وسجن الحسين بن روح مدة خمسة أعوام في عهد الخليفة المقتدر وأُفرج عنه سنة 317هـ وأخيراً وبعد نشاط في السفارة والوكالة دام واحداً وعشرين عاماً مات في سنة 326هـ .

د: أبو الحسن علي بن محمد السَّمَري: بأمر من إمام العصر وترشيح وتقديم النوبختي تولى علي بن محمد السمري السفارة والوكالة الخاصة وشؤون الشيعة وإدارتها ؛ كان السمري من أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام) فقد تولّى مهمة النيابة والوكالة الخاصة حتى عام 329هـ وهي سنة وفاته , وقد صدر قبل عدة أيّام من وفاته توقيع من طرف الإمام إليه بالنحو التالي: بسم اللّه الرحمن الرحيم: يا علي بن محمد السمري أعظم اللّه أجر إخوانك فيك فإنّك ميت ما بينك وبين ستة أيّام فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور إلاّ بعد إذن اللّه تعالى ذكره وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً وسيأتي لشيعتي من يدّعي المشاهدة ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة من السماء فهو كذّاب مفتر ولا حول ولا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم ؛ وبعد ستة أيّام من صدور التوقيع مات أبو الحسن السمري .

وقد سألوه قبل موته: من يقوم مقامك؟ فقال: لم أُؤمر بأن أُوصي لأحد .

وبموت أبي الحسن علي السمري تبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الشيعة تعرف بالغيبة الكبرى .

وكلاء الإمام المهدي (عليه السّلام)

كان نظام السفارة والنيابة الذي وضعه الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ومن قبله الإمامين العسكريين يهدف في الدرجة الأولى كما تقدّم معنا إلى حماية الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف وإبعاده عن أنظار السلطة الحاكمة التي لم تترك محاولة لقتله إلّا وقامت بها .

وقد قام السفراء الأربعة بمهمتهم واستطاعوا تحقيق هذا الهدف المقدّس وفي نفس الوقت حافظوا على التواصل بين الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف والأمة ، وإيصال توجيهات ونصائح وإرشادات الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف في جميع المجالات .

ولكن السفراء واجهوا نفس هذه المشكلة ، لذلك كان عليهم العمل وأداء الرسالة بأعلى درجات السرية ، ولذا استدعى الأمر أن يتّبعوا نفس أسلوب الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف معهم ، فقاموا بتعيين وكلاء وسفراء في مختلف المناطق والبلدان الإسلامية التي فيها شيء من القواعد الشعبية المؤمنة بالإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف .

وذلك من أجل تسهيل مهمّة السفراء . حيث لا يكون بوسع السفير وبخاصة في ظروف السرّية والتكتّم في عملية التواصل مع الناس ، وهذا بدوره يساعد في انتشار التعاليم والتوجيهات بشكل أكبر وأفضل .

وكان هؤلاء الوكلاء محمودين في سلوكهم ، مستقيمين في عقيدتهم ، معروفين بالزهد والتقوى والصلاح .

وتشير الروايات إلى أن هؤلاء الوكلاء كانوا تارة يراجعون السفراء في القضايا والأسئلة الموجّهة إليهم ، وتارة يراسلون الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف بصورة مباشرة .

كما أن أمر وجود مثل هؤلاء الوكلاء ثابت بما رواه بعض الرواة من أمثال الشيخ الصدوق وغيره .

فقد روى الشيخ الصدوق في كتاب ( كمال الدين ) رواية عن أبي علي الأسدي ، عن أبيه ، عن محمد بن أبي عبد اللّه الكوفي أنّه ذكر عدد من انته إليه ممّن وقف على معجزات صاحب الزمان عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ورآه من الوكلاء ببغداد :

العمري وابنه ، وحاجز والبلالي والعطّار .

ومن الكوفة : العاصمي . ومن أهل الأهواز : محمد بن إبراهيم بن مهزيار .

ومن أهل قم : أحمد بن إسحاق . ومن أهل همدان : محمد بن صالح . ومن أهل الرّي : البسّامي ، والأسدي - يعني نفسه . . ومن أهل آذربيجان : القاسم بن العلاء . ومن أهل نيسابور : محمّد بن شاذان .

ومن غير الوكلاء من أهل بغداد : أبو القاسم بن أبي حليس ، وأبو عبد اللّه الكندي . . . إلى آخر الحديث].

وهذه الأسماء الواردة في الرواية من الأشخاص المعروفين بوثاقتهم ، ونحن نذكر ترجمة شخصية لبعض هؤلاء الوكلاء .

1 - الشيخ عثمان بن سعيد السفير الأول ، وابنه الشيخ محمد بن عثمان السفير الثاني ، وقد تقدم الحديث عنهما .

2 - حاجز بن يزيد الملقّب بالوشا . روى فيه الشيخ المفيد بإسناده عن الحسن بن الحميد ، قال شككت في أمر حاجز . فجمعت شيئا ثم صرت إلى العسكر - يعني سامراء - فخرج إليّ : ليس فينا شك ، ولا فيمن يقوم بأمرنا . تردّ ما معك إلى حاجز ابن يزيد.

3 - البلالي : هو أبو طاهر محمد بن علي بن بلال ، ذكره الشيخ الصدوق في قائمة الوكلاء كما في الرواية ، وعدّه ابن طاووس من السفراء المعروفين في الغيبة الصغرى .

إلّا أن الشيخ الطوسي ذكره في جملة الوكلاء المذمومين.

4 - محمد بن إبراهيم بن مهزيار : عدّه ابن طاووس من السفراء والأبواب المعروفين ، وروى الشيخ الطوسي عنه أن والده كان من وكلاء الإمام الحسن العسكري عليه السّلام ، وبعد وفاته خرج إليه التوقيع من الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف : قد أقمناك مقام أبيك فاحمد اللّه.

5 - أحمد بن إسحاق : بن سعد بن مالك بن الأحوص الأشعري . أبو علي القمي ، روى عن الإمام الجواد عليه السّلام والإمام الهادي عليه السّلام وكان من خاصّة الإمام العسكري عليه السّلام . وقال الشيخ الطوسي في الغيبة بأنه ممّن خرج التوقيع في مدحهم . وكان أحمد بن إسحاق من الخاصّة الذين عرض الإمام العسكري عليه السّلام عليهم ولده المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ، وكذلك كان الإمام العسكري عليه السّلام قد بشّره بولادة الإمام المهدي عليه السّلام.

فهؤلاء بعض الذين إضطلعوا بمهمة الوكالة عن الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف في زمن الغيبة الصغرى ، لتكميل وتوسيع عمل السفراء الأربعة في مختلف البلدان الإسلامية .

 

الإمام المهدي "عج" في الغيبة الصغرى

1 - السلطة تبحث عن الإمام بعد وفاة أبيه ’

الكافي : 1 / 525 : « عن الحسين بن الحسن العلوي قال : كان رجل من ندماء روز حسني ، وآخر معه فقال له : هو ذا يَجبي الأموال وله وكلاء ، وسموا جميع الوكلاء في النواحي وأنهى ذلك إلى عبيد الله بن سليمان الوزير ، فهمَّ الوزيربالقبض عليهم فقال السلطان : أطلبوا أين هذا الرجل ، فإن هذا أمرغليظ ، فقال عبيد الله بن سليمان : نقبض على الوكلاء ، فقال السلطان : لا ، ولكن دسوا لهم قوماً لا يعرفون بالأموال فمن قبض منهم شيئاً قبض عليه ، قال فخرج بأن يتقدم إلى جميع الوكلاء أن لا يأخذوا من أحد شيئاً ، وأن يمتنعوا من ذلك ويتجاهلوا الأمر ، فاندس لمحمد بن أحمد رجل لا يعرفه وخلا به فقال : معي مال أريد أن أوصله ، فقال له محمد : غلطت أنا لا أعرف من هذا شيئاً ، فلم يزل يتلطفه ومحمد يتجاهل عليه ، وبثوا الجواسيس وامتنع الوكلاء كلهم لما كان تقدم إليهم » .

وتقريب المعارف / 197 ، وفيه : « ورووا أن قوماً وَشَوْا إلى عبيد الله بن سليمان الوزير بوكلاء النواحي وقالوا : الأموال تجبى إليهم ، وسموهم له جميعهم ، فهمَّ بالقبض عليهم ، فخرج الأمر من السلطان » .

وعبيد الله بن سليمان وزير المعتضد من سنة 278 ، إلى سنة 288 . « ذيل تاريخ بغداد : 2 / 40 » .

2 - السلطة تمنع زيارة قبر الإمام الحسين وموسى بن جعفر عليهم السلام

الكافي : 1 / 525 : « عن علي بن محمد قال : خرج نهي عن زيارة مقابر قريش والحير ، فلما كان بعد أشهر دعا الوزير الباقطائي فقال له : إلق بني الفرات والبرسيين وقل لهم : لايزوروا مقابر قريش فقد أمر الخليفة أن يتفقد كل من زار فيقبض عليه » .

ورواه في البحار : 51 / 312 ، وقال : « بنو الفرات رهط الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن فرات ، كان من وزراء بني العباس . . . وبرس قرية بين الحلة والكوفة ، والمراد بزيارة مقابر قريش زيارة الكاظمين ’ » .

3 - هجوم السلطة على دار الإمام العسكري عليه السلام بعد وفاته

كمال الدين : 2 / 473 : « عن أبي الحسين الحسن بن وجناء قال : حدثنا أبي عن جده ، أنه كان في دار الحسن بن علي عليه السلام فكبستنا الخيل وفيهم جعفر بن علي الكذاب واشتغلوا بالنهب والغارة ، وكانت همتي في مولاي القائم عليه السلام . قال : فإذا أنا به قد أقبل وخرج عليهم من الباب ، وأنا أنظر إليه وهو ابن ست سنين ، فلم يره أحد حتى غاب » .

كمال الدين : 2 / 498 : « عن سعد بن عبد الله قال : حدثني أبو علي المتيلي قال : جاءني أبو جعفر ، فمضى بي إلى العباسية وأدخلني خربة وأخرج كتاباً فقرأه عليَّ ، فإذا فيه شرح جميع ما حدث على الدار وفيه : إن فلانة يعني أم عبد الله تؤخذ بشعرها وتُخرج من الدار ، ويُحدر بها إلى بغداد ، فتقعد بين يدي السلطان ! وأشياء مما يحدث ! ثم قال لي : إحفظ ثم مزق الكتاب ! وذلك من قبل أن يحدث ما حدث بمدة » .

أقول : يقصد بأبي جعفر : محمد بن عثمان بن سعيد العمري رحمه الله ، حيث أخبره بقصة هجوم السلطة لتفتيش بيت الإمام العسكري عليه السلام بحثاً عن المهدي عليه السلام ، وأنهم كانوا يشكُّون بامرأة أنها أم المهدي عليه السلام فطلب الخليفة إحضارها إلى بغداد !

وتقدم أن الإمام العسكري عليه السلام أخبر أم المهدي عليه السلام بما سيجري ، فطلبت منه أن يدعو لها أن تموت قبله ، فدعا لها فتوفيت ، فدفنها وكتب على قبرها : هذا قبر أم محمد ، رضي الله عنها .

4 - جعفر الكذاب يدعي أنه إمام

تقدم من مختصر إثبات الرجعة / 8 ، عن الإمام زين العابدين عليه السلام أن سبب تسمية الإمام جعفر بالصادق عليه السلام أنه سيكون منهم جعفر الكاذب ، الذي يدعي الإمامة ! وهو عمُّ الإمام المهدي عليه السلام ، وكان فاسقاً ماجناً يشرب الخمر ، ويضرب بالطنبور ، ويقامر بالجوسق ، وينادم الخليفة العباسي !

وتقدم من كمال الدين : 2 / 475 ، أن الخليفة قدم نديمه جعفر الكذاب ليصلي على جنازة الإمام العسكري عليه السلام : « فتقدم جعفر بن علي ليصلي على أخيه ، فلما هم بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة بشعره قطط بأسنانه تفليج ، فجبذ برداء جعفر بن علي وقال : تأخر ياعمّ فأنا أحق بالصلاة على أبي ! فتأخر جعفر وقد ارْبَدَّ وجهه واصفرّ ! فتقدم الصبي وصلى عليه ! وأضاف الراوي : ثم خرجت إلى جعفر بن علي وهو يزفر ، فقال له حاجز الوشاء : يا سيدي من الصبي لنقيم الحجة عليه ؟ فقال : والله ما رأيته قط ولا أعرفه ، فنحن جلوس إذ قدم نفر من قم فسألوا عن الحسن بن علي عليه السلام فعرفوا موته فقالوا : فمن نعزي ؟ فأشار الناس إلى جعفر بن علي فسلموا عليه وعزوه وهنوه وقالوا : إن معنا كتباً ومالاً فتقول ممن الكتب وكم المال ؟ فقام ينفض أثوابه ويقول : تريدون منا أن نعلم الغيب ، قال : فخرج الخادم « أي جاءهم خادم الإمام من داخل البيت » فقال : معكم كتب فلان وفلان وفلان وهميان فيه ألف دينار ، عشرة دنانير منها مطلية ، فدفعوا إليه الكتب والمال وقالوا : الذي وجه بك لأخذ ذلك هو الإمام ، فدخل جعفر بن علي على المعتمد وكشف له ذلك ، فوجه المعتمد بخدمه فقبضوا على صقيل الجارية فطالبوها بالصبي فأنكرته وادعت حَبَلاً بها لتغطي حال الصبي ، فسلمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي ! وبَغَتَهم موت عبيد الله بن يحيى بن خاقان فجأة ، وخروج صاحب الزنج بالبصرة فشغلوا بذلك عن الجارية فخرجت عن أيديهم ، والحمد لله رب العالمين » . انتهى .

وذكرت روايةٌ أن الخليفة أمر بحبس الجارية صقيل ، وهو اسم أطلق على أم الإمام وبقيت في حبسهم سنتين مع بقية النساء ، لأن فتوى فقهائهم أن أكثر الحمل سنتان ! فكانوا ينتظرون أن تضع حملها فيقتلوا ابنها ! وكان حبسهن بإشراف مباشر من قاضي قضاة الخلافة ابن أبي الشوارب ، بسبب أهمية الموضوع عند الخليفة .

وتقدم في ترجمة والدة الإمام المهدي عليه السلام أن شخصاً باسم الخيزراني كان أهدى جارية إلى الإمام العسكري عليه السلام ففرت من المنزل عندما داهمته السلطة ، وذهبت إلى بيت سيدها السابق وحدثته عن ولادة الإمام عليه السلام . « كمال الدين : 2 / 431 » .

وفي روضة الواعظين / 266 : « وكان قد أخفى مولده ، وستر أمره لصعوبة الوقت وشدة طلب سلطان الزمان إياه ، واجتهاده في البحث عن أمره لما شاع من مذهب الشيعة الإمامية فيه وعرف من انتظارهم له ، فلم يظهره والده في حياته عليه السلام ، ولا عرفه الجمهور بعد وفاته ، وتولى جعفر بن علي أخو أبى محمد عليه السلام أخذ تركته ، وسعى في حبس جواري أبى محمد واعتقال حلائله ، وشنع على أصحابه بانتظارهم ولده ، وقطعهم بوجوده والقول بإمامته ، وأغرى بالقوم حتى أخافهم وشردهم ، وجرى على مخلفي أبى محمد عليه السلام بسبب ذلك شئ عظيم من اعتقال وحبس وتهديد وتصغير واستخفاف وذل ، ولم يظفر السلطان منهم بطائل وحاز جعفر ظاهر تركة أبي محمد ، واجتهد في القيام عند الشيعة مقام أخيه فلم يقبل أحد منهم ذلك ولا اعتقد فيه ، فصار إلى سلطان الوقت يلتمس مرتبة أخيه وبذل مالاً جليلاً وتقرب بكل ما ظن أنه يتقرب به ، فلم ينتفع بشئ من ذلك » .

ويظهر أن الهجوم الأول على دار الإمام عليه السلام وقع بعد دفن الإمام العسكري عليه السلام ، مباشرةً ، وسببه أن الإمام المهدي عليه السلام فاجأهم بظهوره وصلاته على جنازة أبيه ’ . أما الهجوم الثاني فكان تنفيذاً لمرسوم الخليفة بأن جعفر الكذاب هو الوارث الوحيد لأخيه ، فجاء جعفر مع الشرطة ، ليضبط تركة أخيه عليه السلام ، ويستلم داره !

ففي كمال الدين : 2 / 442 : « عن محمد بن صالح بن علي بن محمد بن قنبر الكبير ، مولى الرضا عليه السلام قال : خرج صاحب الزمان على جعفر الكذاب من موضع لم يعلم به عندما نازع في الميراث بعد مضي أبي محمد عليه السلام فقال له : يا جعفر مالك تعرض في حقوقي ! فتحير جعفر وبهت ! ثم غاب عنه فطلبه جعفر بعد ذلك في الناس فلم يره ! فلما ماتت الجدة أم الحسن أمرت أن تدفن في الدار ، فنازعهم وقال : هي داري لا تدفن فيها ! فخرج عليه السلام فقال : يا جعفر أدارك هي ؟ ثم غاب عنه فلم يره بعد ذلك » .

وفي الكافي : 1 / 524 : « عن علي بن محمد قال : باع جعفر فيمن باع صبية جعفرية ، كانت في الدار يربونها ، فبعث بعض العلويين وأعلم المشتري خبرها ! فقال المشتري : قد طابت نفسي بردها ، وأن لا أرزأ من ثمنها شيئاً فخذها ، فذهب العلوي فأعلم أهل الناحية الخبر فبعثوا إلى المشتري بأحد وأربعين ديناراً ، وأمروه بدفعها إلى صاحبها » .

وفي غيبة الطوسي / 174 : « عن سعد بن عبد الله الأشعري قال : حدثنا الشيخ الصدوق أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري رحمه الله أنه جاءه بعض أصحابنا يعلمه أن جعفر بن علي كتب إليه كتاباً يعرفه فيه نفسه ، ويعلمه أنه القيم بعد أخيه ، وأن عنده من علم الحلال والحرام وما يحتاج إليه وغير ذلك من العلوم كلها !

 

قال أحمد بن إسحاق : فلما قرأت الكتاب كتبت إلى صاحب الزمان عليه السلام وصيرت كتاب جعفر في درجه ، فخرج الجواب إليَّ في ذلك : بسم الله الرحمن الرحيم . أتاني كتابك أبقاك الله ، والكتاب الذي أنفذته درجه وأحاطت معرفتي بجميع ما تضمنه على اختلاف ألفاظه ، وتكرر الخطأ فيه ، ولو تدبرته لوقفت على بعض ما وقفت عليه منه ، والحمد لله رب العالمين ، حمداً لا شريك له على إحسانه إلينا ، وفضله علينا . أبى الله عز وجل للحق إلا إتماماً وللباطل إلا زهوقاً ، وهو شاهد علي بما أذكره ، ولي عليكم بما أقوله إذا اجتمعنا ليوم لا ريب فيه ويسألنا عما نحن فيه مختلفون . إنه لم يجعل لصاحب الكتاب على المكتوب إليه ولا عليك ولا على أحد من الخلق جميعاً إمامة مفترضة ولا طاعة ولا ذمة ، وسأبين لكم جملة تكتفون بها إن شاء الله تعالى . يا هذا يرحمك الله إن الله تعالى لم يخلق الخلق عبثاً ولا أهملهم سدى ، بل خلقهم بقدرته وجعل لهم أسماعاً وأبصاراً وقلوباً وألباباً ، ثم بعث إليهم النبيين عليهم السلام مبشرين ومنذرين ، يأمرونهم بطاعته وينهونهم عن معصيته ، ويعرفونهم ما جهلوه من أمر خالقهم ودينهم ، وأنزل عليهم كتاباً وبعث إليهم ملائكة ، يأتين بينهم وبين من بعثهم إليهم بالفضل الذي جعله لهم عليهم ، وما آتاهم من الدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة والآيات الغالبة ، فمنهم من جعل النار عليه برداً وسلاماً واتخذه خليلاً ، ومنهم من كلمه تكليماً ، وجعل عصاه ثعباناً مبيناً ، ومنهم من أحيا الموتى بإذن الله ، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله ، ومنهم من علمه منطق الطير وأوتي من كل شئ . ثم بعث محمداً صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين ، وتمم به نعمته وختم به أنبياءه عليهم السلام ، وأرسله إلى الناس كافة ، وأظهر من صدقه ما أظهر ، وبين من آياته وعلاماته ما بين ، ثم قبضه صلى الله عليه وآله حميداً فقيداً سعيداً ، وجعل الأمر بعده إلى أخيه وابن عمه ووصيه ووارثه علي بن أبي طالب عليه السلام ، ثم إلى الأوصياء من ولده واحداً واحداً ، أحيا بهم دينه ، وأتم بهم نوره ، وجعل بينهم وبين إخوانهم وبني عمهم والأدنين فالأدنين من ذوي أرحامهم فرقاناً بيناً ، يعرف به الحجة من المحجوج والإمام من المأموم ، بأن عصمهم من الذنوب ، وبرأهم من العيوب ، وطهرهم من الدنس ، ونزههم من اللبس ، وجعلهم خزان علمه ومستودع حكمته وموضع سره ، وأيدهم بالدلائل ، ولولا ذلك لكان الناس على سواء ، ولادَّعى أمر الله عز وجل كل أحد ، ولما عُرف الحق من الباطل ، ولا العالم من الجاهل .

وقد ادعى هذا المبطل المفتري على الله الكذب بما ادعاه ، فلا أدري بأية حالة هي له رجاء أن يتم دعواه ، أبفقه في دين الله ؟ فوالله ما يعرف حلالاً من حرام ، ولا يفرق بين خطأ وصواب ! أم بعلم ؟ فما يعلم حقاً من باطل ، ولا محكماً من متشابه ، ولا يعرف حد الصلاة ووقتها ! أم بورع ؟ فالله شهيد على تركه الصلاة الفرض أربعين يوماً ، يزعم ذلك لطلب الشعوذة ، ولعل خبره قد تأدى إليكم ! وهاتيك ظروف مسكره منصوبة ، وآثار عصيانه لله عز وجل مشهورة قائمة . أم بآية فليأت بها ، أم بحجة فليقمها ، أم بدلالة فليذكرها ! قال الله عز وجل في كتابه : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ . قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرض أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُواْ مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ . وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ .

فالتمس تولى الله توفيقك من هذا الظالم ما ذكرت لك ، وامتحنه وسله عن آية من كتاب الله يفسرها ، أو صلاة فريضة يبين حدودها ، وما يجب فيها لتعلم حاله ومقداره ، ويظهر لك عواره ونقصانه ، والله حسيبه .

حفظ الله الحق على أهله ، وأقره في مستقره ، وقد أبى الله عز وجل أن تكون الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين ’ . وإذا أذن الله لنا في القول ظهر الحق واضمحل الباطل وانحسر عنكم . وإلى الله أرغب في الكفاية ، وجميل الصنع والولاية ، وحسبنا الله ونعم الوكيل » .

وفي كمال الدين : 2 / 476 : « عن أبي الحسن علي بن سنان الموصلي قال : حدثني أبي قال : لما قبض سيدنا أبو محمد الحسن بن علي العسكري صلوات الله عليهما ، وفد من قم والجبال وفود ، بالأموال التي كانت تحمل على الرسم والعادة ، ولم يكن عندهم خبر وفاة الحسن عليه السلام فلما أن وصلوا إلى سر من رأى سألوا عن سيدنا الحسن بن علي عليه السلام فقيل لهم : إنه قد فقد ، فقالوا : ومن وارثه ؟ قالوا : أخوه جعفر بن علي ، فسألوا عنه فقيل لهم إنه قد خرج متنزهاً وركب زورقاً في الدجلة يشرب ومعه المغنون ! قال : فتشاور القوم فقالوا : هذه ليست من صفة الإمام ، وقال بعضهم لبعض : إمضوا بنا حتى نرد هذه الأموال على أصحابها ! فقال أبو العباس محمد بن جعفر الحميري القمي : قفوا بنا حتى ينصرف هذا الرجل ونختبر أمره بالصحة . قال : فلما انصرف دخلوا عليه فسلموا عليه وقالوا : يا سيدنا نحن من أهل قم ومعنا جماعة من الشيعة وغيرها ، وكنا نحمل إلى سيدنا أبي محمد الحسن بن علي الأموال فقال : وأين هي ؟ قالوا : معنا ، قال : إحملوها إليَّ . قالوا : لا ، إن لهذه الأموال خبراً طريفاً ، فقال : وما هو ؟ قالوا إن هذه الأموال تجمع ويكون فيها من عامة الشيعة الدينار والديناران ثم يجعلونها في كيس ويختمون عليه ، وكنا إذا وردنا بالمال على سيدنا أبي محمد عليه السلام يقول : جملة المال كذا وكذا ديناراً . من عند فلان كذا ، ومن عند فلان كذا ، حتى يأتي على أسماء الناس كلهم ، ويقول ما على الخواتيم من نقش .

فقال جعفر : كذبتم ، تقولون على أخي ما لا يفعله ، هذا علم الغيب ولا يعلمه إلا الله . قال : فلما سمع القوم كلام جعفر جعل بعضهم ينظر إلى بعض ، فقال لهم : احملوا هذا المال إليَّ ، قالوا : إنا قوم مستأجرون وكلاء لأرباب المال ، ولا نسلم المال إلا بالعلامات التي كنا نعرفها من سيدنا الحسن بن علي عليه السلام ، فإن كنت الإمام فبرهن لنا ، وإلا رددناها إلى أصحابها يرون فيها رأيهم . قال : فدخل جعفر على الخليفة وكان بسر من رأى فاستعدى عليهم ، فلما أحضروا قال الخليفة : احملوا هذا المال إلى جعفر ، قالوا : أصلح الله أمير المؤمنين إنا قوم مستأجرون ، وكلاء لأرباب هذه الأموال ، وهي وداعة لجماعة ، وأمرونا بأن لا نسلمها إلا بعلامة ودلالة ، وقد جرت بهذه العادة مع أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام ! فقال الخليفة : فما كانت العلامة التي كانت مع أبي محمد ؟ قال القوم : كان يصف لنا الدنانير وأصحابها والأموال وكم هي . فإذا فعل ذلك سلمناها إليه ، وقد وفدنا إليه مراراً فكانت هذه علامتنا معه ودلالتنا ، وقد مات . فإن يكن هذا الرجل صاحب هذا الأمر ، فليقم لنا ما كان يقيمه لنا أخوه ، وإلا رددناها إلى أصحابها !

فقال جعفر : يا أمير المؤمنين إن هؤلاء قوم كذابون يكذبون على أخي ، وهذا علم الغيب ! فقال الخليفة : القوم رسل وما على الرسول إلا البلاغ المبين .

قال : فبهت جعفر ولم يرد جواباً ، فقال القوم : يتطول أمير المؤمنين بإخراج أمره إلى من يبدرقنا حتى نخرج من هذه البلدة ، قال : فأمر لهم بنقيب فأخرجهم منها ، فلما أن خرجوا من البلد خرج إليهم غلام أحسن الناس وجهاً كأنه خادم ، فنادى : يا فلان بن فلان ، ويا فلان بن فلان ، أجيبوا مولاكم ، قال فقالوا : أنت مولانا ، قال : معاذ الله أنا عبد مولاكم ، فسيروا إليه قالوا : فسرنا معه حتى دخلنا دار مولانا الحسن بن علي عليه السلام ، فإذا ولده القائم سيدنا عليه السلام قاعد على سرير كأنه فلقة قمر ، عليه ثياب خضر فسلمنا عليه فرد علينا السلام ، ثم قال : جملة المال كذا وكذا ديناراً . حمل فلان كذا ، وفلان كذا ، ولم يزل يصف حتى وصف الجميع . ثم وصف ثيابنا ورحالنا وما كان معنا من الدواب ، فخررنا سجدا لله عز وجل شكراً لما عرفنا ، وقبلنا الأرض بين يديه ، وسألناه عما أردنا فأجاب ، فحملنا إليه الأموال .

وأمرنا القائم عليه السلام أن لانحمل إلى سر من رأى بعدها شيئاً من المال ، فإنه ينصب لنا ببغداد رجلاً يحمل إليه الأموال ويخرج من عنده التوقيعات ، قال فانصرفنا من عنده ودفع إلى أبي العباس محمد بن جعفر القمي الحميري شيئاً من الحنوط والكفن ، فقال له : أعظم الله أجرك في نفسك ، قال : فما بلغ أبو العباس عقبة همدان حتى توفي رحمه الله . وكنا بعد ذلك نحمل الأموال إلى بغداد إلى النواب المنصوبين بها ، ويخرج من عندهم التوقيعات .

قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه : هذا الخبر يدل على أن الخليفة كان يعرف هذا الأمر كيف هو وأين موضعه ، فلهذا كف عن القوم عما معهم من الأموال ، ودفع جعفراً الكذاب عن مطالبتهم ، ولم يأمرهم بتسليمها إليه ، إلا أنه كان يحب أن يَخفى هذا الأمر ولا ينتشر ، لئلا يهتدي إليه الناس فيعرفونه !

وقد كان جعفر الكذاب حمل إلى الخليفة عشرين ألف دينار لما توفي الحسن بن علي وقال : يا أمير المؤمنين تجعل لي مرتبة أخي الحسن ومنزلته . فقال الخليفة : إعلم أن منزلة أخيك لم تكن بنا ، إنما كانت بالله عز وجل ، ونحن كنا نجتهد في حط منزلته والوضع منه ، وكان الله عز وجل يأبى إلا أن يزيده كل يوم رفعة ، لما كان فيه من الصيانة وحسن السمت والعلم والعبادة . فإن كنت عند شيعة أخيك بمنزلته ، فلا حاجة بك إلينا ، وإن لم تكن عندهم بمنزلته ولم يكن فيك ما كان في أخيك ، لم نغنك في ذلك شيئاً » .

وفي كمال الدين : 2 / 488 : « عن محمد بن شاذان بن نعيم قال : بعث رجل من أهل بلخ بمال ورقعة ليس فيها كتابة ، قد خط فيها بأصبعه كما تدور من غير كتابة ، وقال للرسول : إحمل هذا المال فمن أخبرك بقصته وأجاب عن الرقعة ، فأوصل إليه المال ، فصار الرجل إلى العسكر ، وقصد جعفراً وأخبره الخبر فقال له جعفر : تقر بالبداء ؟ قال الرجل : نعم ، قال له : فإن صاحبك قد بدا له ، وأمرك أن تعطيني المال ! فقال له الرسول : لا يقنعني هذا الجواب فخرج من عنده وجعل يدور على أصحابنا ، فخرجت إليه رقعة قال : هذا مال قد كان غرر به وكان فوق صندوق ، فدخل اللصوص البيت وأخذوا ما في الصندوق ، وسلم المال ، وردت عليه الرقعة وقد كتب فيها كما تدور ، وسألت الدعاء فعل الله بك وفعل » .

وفي الكافي : 1 / 523 : « عن الحسن بن عيسى العريضي قال : لما مضى أبو محمد عليه السلام ورد رجل من أهل مصر بمال إلى مكة للناحية ، فاختلف عليه فقال بعض الناس : إن أبا محمد مضى من غير خلف والخلف جعفر ، وقال بعضهم : مضى أبو محمد عن خلف فبعث رجلاً يكنى بأبي طالب فورد العسكر ومعه كتاب ، فصار إلى جعفر وسأله عن برهان ، فقال : لا يتهيأ في هذا الوقت ، فصار إلى الباب وأنفذ الكتاب إلى أصحابنا ، فخرج إليه : آجرك الله في صاحبك فقد مات وأوصى بالمال الذي كان معه إلى ثقة ليعمل فيه بما يجب ، وأجيب عن كتابه » .

وفي كمال الدين : 2 / 483 : « عن إسحاق بن يعقوب قال : سألت محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ ، فوردت في التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام : أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمنا ، فاعلم أنه ليس بين الله عز وجل وبين أحد قرابة ، ومن أنكرني فليس مني وسبيله سبيل ابن نوح عليه السلام . أما سبيل عمي جعفر وولده فسبيل إخوة يوسف عليه السلام .

وأما الفقاع فشربه حرام ولا بأس بالشلماب ، وأما أموالكم فلا نقبلها إلا لتطهروا ، فمن شاء فليصل ومن شاء فليقطع ، فما آتاني الله خير مما آتاكم . وأما ظهور الفرج فإنه إلى الله تعالى ذكره وكذب الوقاتون . وأما قول من زعم أن الحسين عليه السلام لم يقتل ، فكفر وتكذيب وضلال .

وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ، فإنهم حجتي عليكم ، وأنا حجة الله عليهم . وأما محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه وعن أبيه من قبل ، فإنه ثقتي وكتابه كتابي . وأما محمد بن علي بن مهزيار الأهوازي فسيصلح الله له قلبه ويزيل عنه شكه . وأما ما وصلتنا به فلا قبول عندنا إلا لما طاب وطهر وثمن المغنية حرام .

وأما محمد بن شاذان بن نعيم فهو رجل من شيعتنا أهل البيت .

وأما أبو الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع فملعون ، وأصحابه ملعونون ، فلا تجالس أهل مقالتهم فإني منهم برئ ، وآبائي عليهم السلام منهم براء . وأما المتلبسون بأموالنا ، فمن استحل منها شيئاً فأكله فإنما يأكل النيران . وأما الخمس فقد أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حل إلى وقت ظهور أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث . وأما ندامة قوم قد شكوا في دين الله عز وجل على ما وصلونا به ، فقد أقلنا من استقال ، ولا حاجة في صلة الشاكين .

وأما علة ما وقع من الغيبة فإن الله عز وجل يقول : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ، إنه لم يكن أحد من آبائي إلا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه ، وإني أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي .

وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي ، فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الأبصار السحاب ، وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء ، فأغلقوا باب السؤال عما لايعنيكم ، ولا تتكلفوا علم ما قد كفيتم ، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فإن ذلك فرجكم . والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدى » .

5 - من توقيعات الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف - إجاباته ورسائله

ولادة الصدوق رحمه الله بدعاء الإمام عليه السلام

ولادة الصدوق رحمه الله بدعاء الإمام عليه السلام

كمال الدين / 502 : « حدثنا أبو جعفر محمد بن علي الأسود رضي الله عنه قال : سألني علي بن الحسين بن موسى بن بابويه رضي الله عنه ، بعد موت محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه أن أسأل أبا القاسم الروحي أن يسأل مولانا صاحب الزمان عليه السلام أن يدعو الله عز وجل أن يرزقه ولداً ذكراً . قال : فسألته فأنهى ذلك ، ثم أخبرني بعد ذلك بثلاثة أيام أنه قد دعا لعلي بن الحسين وأنه سيولد له ولد مبارك ينفع الله به وبعده أولاد . قال أبو جعفر محمد بن علي الأسود رضي الله عنه ، وسألته في أمر نفسي أن يدعو الله لي أن يرزقني ولداً ، فلم يجبني إليه وقال : ليس إلى هذا سبيل ، قال : فولد لعلي بن الحسين رضي الله عنه محمد بن علي وبعده أولاد ولم يولد لي شئ .

قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه : كان أبو جعفر محمد بن علي الأسود رضي الله عنه كثيراً ما يقول لي إذا رآني أختلف إلى مجلس شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد وأرغب في كتب العلم وحفظه : ليس بعجب أن يكون لك هذه الرغبة في العلم ، أنت ولدت بدعاء الإمام عليه السلام » .

وفي رجال النجاشي / 261 : « علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي أبو الحسن ، شيخ القميين في عصره ومتقدمهم وفقيههم وثقتهم ، كان قدم العراق واجتمع مع أبي القاسم الحسين بن روح رحمه الله وسأله مسائل ، ثم كاتبه بعد ذلك على يد علي بن جعفر بن الأسود يسأله أن يوصل له رقعة إلى الصاحب عليه السلام ، ويسأله فيها الولد فكتب إليه : قد دعونا الله لك بذلك ، وسترزق ولدين ذكرين خيرين . فولد له أبو جعفر وأبو عبد الله من أم ولد ، وكان أبو عبد الله الحسين بن عبد الله يقول سمعت أبا جعفر يقول : أنا ولدت بدعوة صاحب الأمر عليه السلام ، ويفتخر بذلك » .

وفي غيبة الطوسي / 187 ، بمعناه ، وفيه : « أن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه كانت تحته بنت عمه محمد بن موسى بن بابويه ، فلم يرزق منها ولداً ، فكتب إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه أن يسأل الحضرة أن يدعو الله أن يرزقه أولاداً فقهاء ، فجاء الجواب : إنك لا ترزق من هذه وستملك جارية ديلمية وترزق منها ولدين فقيهين . قال : وقال لي أبو عبد الله بن سورة حفظه الله : ولأبي الحسن بن بابويه رحمه الله ثلاثة أولاد محمد والحسين فقيهان ماهران في الحفظ ، ويحفظان ما لا يحفظ غيرهما من أهل قم ، ولهما أخ اسمه الحسن وهو الأوسط مشتغل بالعبادة والزهد لا يختلط بالناس ولا فقه له . قال ابن سورة : كلما روى أبو جعفر وأبو عبد الله ابنا علي بن الحسين شيئاً ، يتعجب الناس من حفظهما ويقولون لهما : الشأن خصوصية لكما بدعوة الإمام لكما ، وهذا أمر مستفيض في أهل قم » .

إخباره عليه السلام بوفاة سفيره العمري رحمه الله

في غيبة الطوسي / 226 : « عن جعفر بن أحمد النوبختي قال : قال لي أبي أحمد بن إبراهيم وعمي أبو جعفر عبد الله بن إبراهيم وجماعة من أهلنا ، يعني بني نوبخت : إن أبا جعفر العمري لما اشتدت حاله اجتمع جماعة من وجوه الشيعة ، منهم أبو علي بن همام ،

وأبو عبد الله بن محمد الكاتب ، وأبو عبد الله الباقطاني ، وأبو سهل بن إسماعيل النوبختي ، وأبو عبد الله بن الوجنا ، وغيرهم من الوجوه والأكابر ، فدخلوا على أبي جعفر رضي الله عنه فقالوا له : إن حدث أمر فمن يكون مكانك ؟ فقال لهم : هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي ، القائم مقامي والسفير بينكم وبين صاحب الأمر عليه السلام ، والوكيل والثقة الأمين ، فارجعوا إليه في أموركم وعولوا عليه في مهماتكم ، فبذلك أمرت وقد بلغت » .

وفي كمال الدين : 2 / 502 : « وحدثنا أبو جعفر محمد بن علي الأسود رضي الله عنه ، أن أبا جعفر العمري حفر لنفسه قبراً وسواه بالساج ، فسألته عن ذلك فقال : للناس أسباب . ثم سألته بعد ذلك فقال : قد أمرت أن أجمع أمري . فمات بعد ذلك بشهرين رضي الله عنه » .

جوابه عليه السلام في نفي التفويض

غيبة الطوسي / 178 : « عن علي بن أحمد الدلال القمي قال : اختلف جماعة من الشيعة في أن الله عز وجل فوض إلى الأئمة صلوات الله عليهم أن يخلقوا أو يرزقوا ، فقال قوم هذا محال لا يجوز على الله تعالى ، لأن الأجسام لا يقدر على خلقها غير الله عز وجل ، وقال آخرون بل الله تعالى أقدر الأئمة على ذلك وفوضه إليهم فخلقوا ورزقوا ، وتنازعوا في ذلك تنازعاً شديداً فقال قائل : ما بالكم لا ترجعون إلى أبي جعفر محمد بن عثمان العمري فتسألونه عن ذلك فيوضح لكم الحق فيه ، فإنه الطريق إلى صاحب الأمر عجل الله فرجه ، فرضيت الجماعة بأبي جعفر وسلمت وأجابت إلى قوله ، فكتبوا المسألة وأنفذوها إليه ، فخرج إليهم من جهته توقيع نسخته : إن الله تعالى هو الذي خلق الأجسام وقسم الأرزاق ، لأنه ليس بجسم ولا حال في جسم ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ . وأما الأئمة عليهم السلام فإنهم يسألون الله تعالى فيخلق ، ويسألونه فيرزق ، إيجاباً لمسألتهم ، وإعظاماً لحقهم » .

رده عليه السلام على الغلاة ونهيه عن الغلو

في الإحتجاج : 2 / 473 : « ومما خرج عن صاحب الزمان صلوات الله عليه رداً على الغلاة من التوقيع ، جواباً لكتاب كتب على يدي محمد بن علي بن هلال الكرخي :

يا محمد بن علي ، تعالى الله وجل عما يصفون سبحانه وبحمده ، ليس نحن شركاءه في علمه ولا في قدرته ، بل لا يعلم الغيب غيره كما قال في محكم كتابه تباركت أسماؤه : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرض الْغَيْبَ إِلا اللهُ . وأنا وجميع آبائي من الأولين آدم ونوح وإبراهيم وموسى وغيرهم من النبيين ، ومن الآخرين محمد رسول الله وعلي بن أبي طالب وغيرهم ممن مضى من الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين ، إلى مبلغ أيامي ومنتهى عصري ، عبيد الله عز وجل ، يقول الله عز وجل : وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى . قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً . قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى . يا محمد بن علي قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم ، ومن دينه جناح البعوضة أرجح منه ، فأشهد الله الذي لا إله إلا هو وكفى به شهيداً ورسوله محمداً صلى الله عليه وآله وملائكته وأنبياؤه وأولياؤه عليهم السلام ، وأشهدك وأشهد كل من سمع كتابي هذا ، أني برئ إلى الله وإلى رسوله ممن يقول إنا نعلم الغيب ونشاركه في ملكه ، أو يحلنا محلاً سوى المحل الذي رضيه الله لنا وخلقنا له ، أو يتعدى بنا عما قد فسرته لك وبينته في صدر كتابي . وأشهدكم أن كل من نبرأ منه فإن الله يبرأ منه وملائكته ورسله وأولياؤه .

وجعلت هذا التوقيع الذي في هذا الكتاب أمانة في عنقك ، وعنق من سمعه أن لايكتمه لأحد من مواليَّ وشيعتي ، حتى يظهر على هذا التوقيع الكلُّ من مواليَّ ، لعل الله عز وجل يتلافاهم فيرجعون إلى دين الله الحق ، وينتهون عما لا يعلمون منتهى أمره ، ولامبلغ منتهاه ، فكل من فهم كتابي ولا يرجع إلى ما قد أمرته ونهيته فقد حلت عليه اللعنة من الله ، وممن ذكرت من عباده الصالحين » .

وفي تفسيرالعياشي : 1 / 16 : « عن يوسف بن السخت البصري ، قال : رأيت التوقيع بخط محمد بن محمد بن علي فكان فيه : الذي يجب عليكم ولكم أن تقولوا إنا قدوة الله وأئمة وخلفاء الله في أرضه وأمناؤه على خلقه ، وحججه في بلاده ، نعرف الحلال والحرام ، ونعرف تأويل الكتاب وفصل الخطاب » .

رسالته عليه السلام في تقوية ضعفاء الشيعة

غيبة الطوسي / 172 : « عن علي بن إبراهيم الرازي قال : حدثني الشيخ الموثوق به بمدينة السلام قال : تشاجر ابن أبي غانم القزويني وجماعة من الشيعة في الخلف ، فذكر ابن أبي غانم أن أبا محمد عليه السلام مضى ولا خلف له ، ثم إنهم كتبوا في ذلك كتاباً وأنفذوه إلى الناحية وأعلموه بما تشاجروا فيه . فورد جواب كتابهم بخطه عليه وعلى آبائه السلام : بسم الله الرحمن الرحيم . عافانا الله وإياكم من الضلالة والفتن ووهب لنا ولكم روح اليقين ، وأجارنا وإياكم من سوء المنقلب . إنه أنهيَ إليَّ ارتياب جماعة منكم في الدين ، وما دخلهم من الشك والحيرة في ولاة أمورهم ، فغمنا ذلك لكم لا لنا وساءنا فيكم لا فينا ، لأن الله معنا ولا فاقة بنا إلى غيره ، والحق معنا فلن يوحشنا من قعد عنا ، ونحن صنائع ربنا والخلق بعد صنائعنا . يا هؤلاء ما لكم في الريب تترددون وفي الحيرة تنعكسون ، أوَ ما سمعتم الله عز وجل يقول : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمر مِنْكُمْ ؟ أوَما علمتم ما جاءت به الآثار مما يكون ويحدث في أئمتكم عن الماضين والباقين منهم عليهم السلام ؟ أوَما رأيتم كيف جعل الله لكم معاقل تأوون إليها ، وأعلاماً تهتدون بها من لدن آدم عليه السلام إلى أن ظهر الماضي عليه السلام ، كلما غاب علم بدا علم ، وإذا أفل نجم طلع نجم ؟ فلما قبضه الله إليه ظننتم أن الله تعالى أبطل دينه وقطع السبب بينه وبين خلقه ! كلا ، ما كان ذلك ولا يكون حتى تقوم الساعة ويظهر أمر الله سبحانه وهم كارهون . وإن الماضي عليه السلام مضى سعيداً فقيداً على منهاج آبائه عليهم السلام حذو النعل بالنعل ، وفينا وصيته وعلمه ومن هو خلفه ومن هو يسد مسده ، لا ينازعنا موضعه إلا ظالم آثم ، ولا يدعيه دوننا إلا جاحد كافر ، ولولا أن أمر الله تعالى لا يغلب وسره لا يظهر ولا يعلن لظهر لكم من حقنا ما تبيَّن منه عقولكم ويزيل شكوككم ، لكنه ما شاء الله كان لكل أجل كتاب ، فاتقوا الله وسلموا لنا وردوا الأمر إلينا ، فعلينا الإصدار كما كان منا الإيراد ، ولا تحاولوا كشف ما غطي عنكم ، ولا تميلوا عن اليمين وتعدلوا إلى الشمال ، واجعلوا قصدكم إلينا بالمودة على السنة الواضحة ، فقد نصحت لكم والله شاهد عليَّ وعليكم . ولولا ما عندنا من محبة صلاحكم ورحمتكم والإشفاق عليكم ، لكنا عن مخاطبتكم في شغل فيما قد امتحنا به من منازعة الظالم العتل الضال المتتابع في غيه المضاد لربه ، الداعي ما ليس له الجاحد حق من افترض الله طاعته . وفي ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله لي أسوة حسنة ، وسيردي الجاهل رداءة عمله ، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار ، عصمنا الله وإياكم من المهالك والأسواء والآفات والعاهات كلها برحمته ، فإنه ولي ذلك والقادر على ما يشاء ، وكان لنا ولكم ولياً وحافظاً ، والسلام على جميع الأوصياء والأولياء والمؤمنين ، ورحمة الله وبركاته » .

النهي عن تسميته عليه السلام في الغيبة الصغرى

في الكافي : 1 / 333 : « عن أبي عبد الله الصالحي قال : سألني أصحابنا بعد مضي أبي محمد عليه السلام أن أسأل عن الاسم والمكان . فخرج الجواب : إن دللتهم على الاسم أذاعوه وإن عرفوا المكان دلوا عليه . .

عن ابن رئاب ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : صاحب هذا الأمر لا يسميه باسمه إلا كافر » .

كمال الدين : 2 / 509 : « عن أحمد بن الخضر بن أبي صالح الخجندي ، أنه خرج إليه من صاحب الزمان عليه السلام توقيع بعد أن كان أُغري بالفحص والطلب ، وسار عن وطنه ليتبين له ما يعمل عليه ، وكان نسخة التوقيع : من بحث فقد طلب ، ومن طلب فقد دل ، ومن دل فقد أشاط ، ومن أشاط فقد أشرك ! فكفَّ عن الطلب ورجع » .

وفي كمال الدين : 2 / 482 و 383 : « عن علي بن عاصم الكوفي يقول : خرج في توقيعات صاحب الزمان : ملعون ملعون ، من سماني في محفل من الناس » .

وفي غيبة الطوسي / 196 : « أنه كتب على يد الشيخ أبى القاسم بن روح رضي الله عنه إلى الصاحب عليه السلام يشكو تعلق قلبه واشتغاله بالفحص والطلب ، ويسأل الجواب بما تسكن إليه نفسه ويكشف له عما يعمل عليه ، قال : فخرج إلى توقيع نسخته : من بحث فقد طلب ، ومن طلب فقد دل ، ومن دل فقد أشاط ومن أشاط فقد أشرك . وسكنت نفسي وعدت إلى وطني مسروراً ، والحمد لله » .

أقول : حمل أكثر فقهائنا النهي عن التسمية ، على أنه مختص بعصرغيبته الصغرى عندما كان أعداؤه يطلبونه طلباً حثيثاً ، فكانوا يهاجمون المكان الذي يظنونه فيه ، كما حبسوا من احتملوا أنها حاملة به ! ولهذا قال عامة فقهائنا لا يحرم تسميته بعد عصر الغيبة الصغرى ، لزوال علة التحريم . وقال النادر منهم يحرم تسميته حتى في الغيبة الكبرى . ولا يبعد أن يشمل النهي عن التسمية السنة التي تسبق ظهوره عليه السلام ، لأن أعداءه سيطلبونه بشكل حثيث ، بل ورد أن السفياني يقتل في المدينة من كان على اسمه .

نماذج من أجوبته الفقهية وكراماته عليه السلام

في غيبة الطوسي / 228 : « نسخة أجوبته عليه السلام عن مسائل محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري بسم الله الرحمن الرحيم ، أطال الله بقاءك ، وأدام عزك وتأييدك وسعادتك وسلامتك ، وأتم نعمته وزاد في إحسانه إليك ، وجميل مواهبه لديك وفضله عندك ، وجعلني من السوء فداك وقدمني قبلك . . . » .

الإحتجاج : 1 / 487 : « وسئل عن رجل يكون في محمله والثلج كثير بقامة رجل ، فيتخوف إن نزل الغوص فيه ، وربما يسقط الثلج وهو على تلك الحال ، ولا يستوي له أن يلبد شيئاً عنه لكثرته وتهافته ، هل يجوز أن يصلي في المحمل الفريضة فقد فعلنا ذلك أياماً فهل علينا في ذلك إعادة أم لا ؟ فأجاب : لا بأس عند الضرورة والشدة .

وسئل عن الرجل يلحق الإمام وهو راكع فيركع معه ويحتسب تلك الركعة ، فإن بعض أصحابنا قال : إن لم يسمع تكبيرة الركوع فليس له أن يعتد بتلك الركعة ؟

فأجاب : إذا لحق مع الإمام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتد بتلك الركعة ، وإن لم يسمع تكبيرة الركوع .

وسئل عن رجل صلى الظهر ودخل في صلاة العصر ، فلما أن صلى من صلاة العصر ركعتين استيقن أنه صلى الظهر ركعتين ، كيف يصنع ؟ فأجاب : إن كان أحدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها الصلاة أعاد الصلاتين ، وإن لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الآخرتين تتمة لصلاة الظهر ، وصلى العصر بعد ذلك .

وسئل عن أهل الجنة يتوالدون إذا دخلوها أم لا ؟ فأجاب : إن الجنة لا حمل فيها للنساء ولا ولادة ، ولا طمث ولا نفاس ولا شقاء بالطفولية ، وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين كما قال سبحانه ، فإذا اشتهى المؤمن ولداً خلقه الله بغير حمل ولا ولادة ، على الصورة التي يريد ، كما خلق آدم عبرة . . .

وسئل عن رجل ادعى على رجل ألف درهم وأقام به البينة العادلة ، وادعى عليه أيضاً خمس مائة درهم في صك آخر ، وله بذلك بينة عادلة ، وادعى عليه أيضاً ثلاث مائة درهم في صك آخر ، ومائتي درهم في صك آخر ، وله بذلك كله بينة عادلة . ويزعم المدعى عليه أن هذه الصكاك كلها قد دخلت في الصك الذي بألف درهم ، والمدعي منكر أن يكون كما زعم ، فهل يجب الألف الدرهم مرة واحدة ، أو يجب عليه كلما يقيم البينة به ؟ وليس في الصكاك استثناء إنما هي صكاك على وجهها . فأجاب : يؤخذ من المدعى عليه ألف درهم مرة ، وهي التي لا شبهة فيها ، ويرد اليمين في الألف الباقي على المدعي ، فإن نكل فلا حق له .

وسئل عن طين القبر يوضع مع الميت في قبره ، هل يجوز لك أم لا ؟ فأجاب عليه السلام : يوضع مع الميت في قبره ، ويخلط بحنوطه إن شاء الله .

وسئل فقال : روي لنا عن الصادق عليه السلام أنه كتب على إزار ابنه : إسماعيل يشهد أن لا إله إلا الله ، فهل يجوز أن نكتب مثل ذلك بطين القبر أم غيره ؟ فأجاب : يجوز ذلك .

وسئل هل يجوز أن يسبح الرجل بطين القبر ، وهل فيه فضل ؟ فأجاب : يسبح الرجل به فما من شئ من السبح أفضل منه ، ومن فضله أن الرجل ينسى التسبيح ويدير السبحة ، فيكتب له التسبيح . وسئل عن السجدة على لوح من طين القبر وهل فيه فضل ؟ فأجاب : يجوز ذلك وفيه الفضل . وسئل : عن الرجل يزور قبور الأئمة عليه السلام هل يجوز أن يسجد على القبرأم لا ؟ وهل يجوز لمن صلى عند بعض قبورهم أن يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة ، ويقوم عند رأسه ورجليه ؟ وهل يجوز أن يتقدم القبر ويصلي ويجعل للقبر خلفه أم لا ؟ فأجاب : أما السجود على القبر ، فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة ، والذي عليه العمل أن يضع خده الأيمن على القبر . وأما الصلاة فإنها خلفه ويجعل القبر أمامه ، ولا يجوز أن يصلي بين يديه ولا عن يمينه ولا عن يساره ، لأن الإمام لا يُتقدم ولا يساوى .

وسئل فقال : روى عن الفقيه في بيع الوقف خبر مأثور : إذا كان الوقف على قوم بأعيانهم وأعقابهم ، فاجتمع أهل الوقف على بيعه وكان ذلك لصالح لهم أن يبيعوه ، فهل يجوز أن يشتري من بعضهم إن لم يجتمعوا كلهم على البيع ، أم لا يجوز إلا أن يجتمعوا كلهم على ذلك ؟ وعن الوقف الذي لا يجوز بيعه ؟ فأجاب : إذا كان الوقف على إمام المسلمين فلا يجوز بيعه ، وإن كان على قوم من المسلمين فليجمع كل قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين ومتفرقين إن شاء الله .

وسئل هل يجوز للمحرم أن يصير على إبطه المرتك والتوتيا لريح العرق أم لا يجوز ؟ فأجاب : يجوز ذلك وبالله التوفيق .

وسئل عن الضرير إذا شهد في حال صحته على شهادة ، ثم كف بصره ولا يرى خطه فيعرفه ، هل تجوز شهادته أم لا وإن ذكر هذا الضرير الشهادة ، هل يجوز أن يشهد على شهادته أم لا يجوز ؟ فأجاب : إذا حفظ الشهادة وحفظ الوقت جازت شهادته .

وسئل عن الرجل يوقف ضيعة أو دابة ، ويشهد على نفسه باسم بعض وكلاء الوقف ، ثم يموت هذا الوكيل أو يتغير أمره ويتولى غيره ، هل يجوز أن يشهد الشاهد لهذا الذي أقيم مقامه إذا كان أصل الوقف لرجل واحد أم لا يجوز ذلك ؟ فأجاب : لا يجوز ذلك لأن الشهادة لم تقم للوكيل ، وإنما قامت للمالك ، وقد قال الله : وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لله . . .

وسئل عن صلاة جعفر بن أبي طالب رحمه الله في أي أوقاتها أفضل أن تصلي فيه ، وهل فيها قنوت ؟ وإن كان ففي أي ركعة منها ؟ فأجاب : أفضل أوقاتها صدر النهار من يوم الجمعة ، ثم في أي الأيام شئت وأي وقت صليتها من ليل أو نهار فهو جائز ، والقنوت فيها مرتان : في الثانية قبل الركوع ، وفي الرابعة بعد الركوع .

وسئل عن الرجل ينوي إخراج شئ من ماله وأن يدفعه إلى رجل من إخوانه ، ثم يجد في أقربائه محتاجاً ، أيصرف ذلك عمن نواه له أو إلى قرابته ؟ فأجاب : يصرفه إلى أدناهما وأقربهما من مذهبه ، فإن ذهب إلى قول العالم عليه السلام : لا يقبل الله الصدقة وذو رحم محتاج ، فليقسم بين القرابة وبين الذي نوى حتى يكون قد أخذ بالفضل كله . .

وسئل : عن المسح على الرجلين وبأيهما يبدأ باليمين أو يمسح عليهما جميعاً معاً ؟ فأجاب : يمسح عليهما معاً ، فإن بدأ بأحدهما قبل الأخرى فلا يبتدئ إلا باليمين . وسأل عن صلاة جعفر في السفر هل يجوز أن يصلي أم لا ؟ فأجاب : يجوز ذلك . . . » .

كمال الدين : 2 / 500 : « عن الحسين بن إسماعيل الكندي : وكتب جعفر بن حمدان : فخرجت إليه هذه المسائل في أحكام الأولاد والوقف . . . » .

الكافي : 1 / 524 : « عن أبي عقيل عيسى بن نصر ، قال : كتب علي بن زياد الصيمري يسأل كفناً ، فكتب إليه : إنك تحتاج إليه في سنة ثمانين ، فمات في سنة ثمانين ، وبعث إليه بالكفن قبل موته بأيام » .

كمال الدين : 2 / 510 : « عن إسحاق بن حامد الكاتب في كرامة له عليه السلام مع رجل أرسل له قماشاً .

الكافي : 1 / 520 : « عن زيد اليماني في كرامة ظهرت له في توقيع من الإمام عليه السلام .

الكافي : 1 / 523 : « عن محمد بن علي بن شاذان النيسابوري ، ظهرت له كرامة في مال أرسله إلى الإمام عليه السلام .

هذا ، والتواقيع الصادر عنه عليه السلام عديدة جمعناها في معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام .