نسبه
هو: أبو محمد الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وأمه أم ولد يقال لها: حديث. أو سليل، وكانت من العارفات الصالحات. وذكر سبط بن الجوزي: أن اسمها سوسن.
ولادته
ولد الإمام أبو محمد الحسن العسكري (عليه السّلام) - كما عليه أكثر المؤرخين - في شهر ربيع الآخر سنة (232 هـ) من الهجرة النبوية المشرفة في المدينة المنورة.
ويلاحظ هنا اختلاف المؤرخين والرواة في تاريخ ميلاده الشريف من حيث اليوم والشهر والسنة التي ولد فيها .
فمنهم من قال أنّ ولادته كانت سنة (230 هـ) وقال آخرون انها كانت سنة (231هـ) أو سنة (232 هـ) أو سنة (233هـ).
وروي أنها كانت في السادس من ربيع الأوّل أو السادس أو الثامن أو العاشر من ربيع الآخر أو في رمضان، والأشهر بين العلماء أنه في العاشر من ربيع الآخر، سنة (232هـ).
ولا نرى غرابة في هذا الاختلاف، فربما يعزى إلى اجراءات كان الإمام الهادي (عليه السّلام) يقوم بها من أجل المحافظة على حياة الإمام العسكري (عليه السّلام) أو يكون لغير هذا من أسباب تعزى إلى ملابسات تأريخية خاصة.
سيرته
انتقل الحسن العسكري مع أبيه الإمام علي الهادي إلى سامراء بعد أن استدعاه الخليفة المتوكل العباسي إليها. وعاش مع أبيه في سامراء 20 سنة حيث استلم بعدها الإمامة وله من العمر 22 سنة. وذلك بعد وفاة أبيه سنة 254 هـ. ووفقاً لروايات الشيعة استمرت إمامته إلى سنة 260 هـ، أي ست سنوات. عايش خلالها ضعف السلطة العباسية وسيطرة الأتراك على مقاليد الحكم وهذا الأمر لم يمنع من تزايد سياسة الضغط العباسي بحقه حيث تردد إلى سجونهم عدّة مرات وخضع للرقابة المشدّدة وأخيراً محاولة البطش به بعيداً عن أعين الناس والتي باءت بالفشل. وبالرغم من كل ذلك فإن الحسن العسكري استطاع أن يجهض كل هذه المحاولات مما أكسبه احتراماً خاصاً لدى أتباع السلطة بحيث كانوا يتحولون من خلال قربهم له إلى أناس ثقات وموالين وحرصاء على سلامته. بل استطاع أن يفرض احترامه على الجميع مثل عبيد الله بن يحيى بن خاقان الوزير العباسي الذي ينسب إليه أنه قال بحقه: "لو زالت الخلافة عن بني العباس ما استحقها أحد من بني هاشم غيره لفضله وعفافه وهديه وصيانة نفسه وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه". أراد الحسن العسكري من خلال مواقفه الحذرة المحترسة في علاقته بالحكم أن يفوّت على الحكم العباسي مخططه القاضي بدمج أئمة أهل البيت وصهرهم في بوتقة الجهاز الحاكم وإخضاعهم للمراقبة الدائمة والإقامة الجبرية التي تهدف إلى عزلهم عن قواعدهم ومواليهم. فكان العسكري كوالده مكرهاً على مواصلة السلطة من خلال الحضور إلى بلاط الخليفة كل يوم اثنين وخميس. وقد استغل الحسن العسكري هذه السياسة لإيهام السلطة بعدم الخروج على سياستها. ليدفع عن أصحابه الضغط والملاحقات التي كانوا يتعرضون لها من قبل الدولة العباسية. ولكن من دون أن يعطي السلطة الغطاء الشرعي الذي يكرّس شرعيتها ويبرّر سياستها، كما يظهر ذلك واضحاً من خلال موقفه من ثورة الزنج التي اندلعت نتيجة ظلم السلطة وانغماسها في حياة الترف. وبفعل الفقر الشديد في أوساط الطبقات المستضعفة، وكانت بزعامة رجل ادّعى الانتساب إلى أهل البيت، وقد أربكت هذه الثورة السلطة وكلفتها الكثير من الجهد للقضاء عليها، فكان موقف تجاه هذه الثورة موقف الرفض ولكنه اثر السكوت وعدم إدانة تصرفاتها لكي لا تعتبر الإدانة تأييداً ضمنياً للدولة. وفعلاً انشغلت السلطة عن مراقبته بإخماد ثورة الزنج. مما سمح له أن يمارس دوره الرسالي التوجيهي والإرشادي. فكان يشجع أصحابه على إصدار الكتب والرسائل بالموضوعات الدينية الحيوية، وكان يطلّع عليها وينقحها. كما تصدى للرد على كتب المشككين وإبطالها. ويُروى أنه اتصل بالفيلسوف الكندي الذي شرع بكتابة كتاب حول متناقضات القرآن. فأقنعه بخطئه. مما جعل الكندي يحرق الكتاب ويتوب. وعمل على إمداد وتدعيم قواعده ومواليه بكل مقومات الصمود والوعي فكان يمدّهم بالمال اللازم لحل مشاكلهم، ويتتبع أخبارهم وأحوالهم النفسية والاجتماعية، ويزودهم بالتوجيهات والإرشادات الضرورية مما أدّى إلى تماسكهم والتفافهم حول نهج أهل البيت والتماسهم كافة الطرق للاتصال به رغم الرقابة الصارمة التي أحاطت به من قبل السلطة، ويُروى أن محمد بن علي السمري كان يحمل الرسائل والأسئلة والأموال في جرّة السمن بصفته بائعاً ويدخل بها على الحسن ليرجع بالأجوبة والتوجيهات وبذلك استطاع الحسن أن يكسر الطوق العباسي من حوله ويوصل أطروحة الإسلام الأصيل إلى قواعده الشعبية ويجهض محاولات السلطة ويسقط أهدافها.
زواجه
روى الصدوق (قدس سره) في كمال الدين ( 2 / 417 ): ( عن محمد بن بحر الشيباني قال : وردت كربلا سنة ست وثمانين ومائتين ، قال : وزرت قبر غريب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثم انكفأت إلى مدينة السلام متوجهاً إلى مقابر قريش في وقت قد تضرمت الهواجر وتوقدت السمائم ، فلما وصلت منها إلى مشهد الكاظم ( عليه السلام ) واستنشقت نسيم تربته المغمورة من الرحمة ، المحفوفة بحدائق الغفران ، أكببت عليها بعبرات متقاطرة ، وزفرات متتابعة ، وقد حجب الدمع طرفي عن النظر ، فلما رقأت العبرة وانقطع النحيب ، فتحت بصري فإذا أنا بشيخ قد انحنى صلبه وتقوس منكباه ، وثفنت جبهته وراحتاه ، وهو يقول لآخر معه عند القبر : يا ابن أخي لقد نال عمك شرفاً بما حَمَّلَهُ السيدان من غوامض الغيوب وشرائف العلوم ، التي لم يحمل مثلها إلا سلمان ، وقد أشرف عمك على استكمال المدة وانقضاء العمر ، وليس يجد في أهل الولاية رجلاً يفضي إليه بسره .
قلت : يا نفس لا يزال العناء والمشقة ينالان منك بإتعابي الخف والحافر في طلب العلم ، وقد قرع سمعي من هذا الشيخ لفظ يدل على علم جسيم وأثر عظيم ، فقلت : أيها الشيخ ومن السيدان ؟ قال : النجمان المغيبان في الثرى بسر من رأى . فقلت : إني أقسم بالموالاة وشرف محل هذين السيدين من الإمامة والوراثة إني خاطب علمهما ، وطالب آثارهما وباذل من نفسي الإيمان المؤكدة على حفظ أسرارهما ، قال : إن كنت صادقاً فيما تقول ، فأحضر ما صحبك من الآثار عن نَقَلة أخبارهم ، فلما فتش الكتب وتصفح الروايات منها قال : صدقت ، أنا بشر بن سليمان النخاس ، من ولد أبي أيوب الأنصاري . أحد موالي أبي الحسن وأبي محمد وجارهما بسر من رأى ، قلت : فأكرم أخاك ببعض ما شاهدت من آثارهما ، قال : كان مولانا أبو الحسن علي بن محمد العسكري ( صلى الله عليه وآله ) فقهني في أمر الرقيق فكنت لا أبتاع ولا أبيع إلا بإذنه ، فاجتنبت بذلك موارد الشبهات ، حتى كملت معرفتي فيه ، فأحسنت الفرق بين الحلال والحرام . فبينما أنا ذات ليلة في منزلي بسر من رأى ، وقد مضى هوي من الليل إذ قرع الباب قارع فعدوت مسرعاً ، فإذا أنا بكافور الخادم رسولٌ مولانا أبي الحسن علي بن محمد ( صلى الله عليه وآله ) يدعوني إليه ، فلبست ثيابي ودخلت عليه فرأيته يحدث ابنه أبا محمد وأخته حكيمة من وراء الستر ، فلما جلست قال : يا بشر إنك من ولد الأنصار وهذه الولاية لم تزل فيكم يرثها خلف عن سلف ، فأنتم ثقاتنا أهل البيت وإني مزكيك ومشرفك بفضيلة تسبق بها شأو الشيعة في الموالاة بها : بسرٍّأ طلعك عليه وأنفذك في ابتياع أمَة . فكتب كتاباً ملصقاً بخط رومي ولغة رومية ، وطبع عليه بخاتمه ، وأخرج شستقة صفراء فيها مائتان وعشرون ديناراً ، فقال : خذها وتوجه بها إلى بغداد ، واحضر معبر الفرات ضحوة كذا ، فإذا وصلت إلى جانبك زواريق السبايا وبرزن الجواري منها ، فستحدق بهم طوائف المبتاعين من وكلاء قواد بني العباس وشراذم من فتيان العراق ، فإذا رأيت ذلك فأشرف من البعد على المسمى عمر بن يزيد النخاس ، عامة نهارك إلى أن يبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا وكذا ، لابسة حريرتين صفيقتين ، تمتنع من السفور ولمس المعترض والانقياد لمن يحاول لمسها ، ويشغل نظره بتأمل مكاشفها من وراء الستر الرقيق ، فيضربها النخاس فتصرخ صرخة رومية ، فأعلم أنها تقول : واهتك ستراه ، فيقول بعض المبتاعين علي بثلاث مائة ديناراً - فقد زادني العفاف فيها رغبة ، فتقول بالعربية : لوبرزت في زي سليمان وعلى مثل سرير ملكه ما بدت لي فيك رغبة ، فأشفق على مالك ، فيقول النخاس : فما الحيلة ولا بد من بيعك . فتقول الجارية : وما العجلة ولا بد من اختيار مبتاع يسكن قلبي إليه وإلى أمانته وديانته ، فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخاس وقل له : إن معي كتاباً ملصقاً لبعض الأشراف كتبه بلغة رومية وخط رومي ، ووصف فيه كرمه ووفاه ونبله وسخاءه ، فناولْها لتتأمل منه أخلاق صاحبه ، فإن مالت إليه ورضيته ، فأنا وكيله في ابتياعها منك .
قال بشر بن سليمان النخاس : فامتثلت جميع ما حدَّهُ لي مولاي أبو الحسن ( عليه السلام ) في أمر الجارية ، فلما نظرت في الكتاب بكت بكاء شديداً ،
وقالت لعمر بن زيد النخاس : بعني من صاحب هذا الكتاب ، وحلفت بالمحرجة المغلظة إنه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها ، فما زلت أشاحُّهُ في ثمنها حتى استقر الأمر فيه على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي ( عليه السلام ) من الدنانير في الشستقة الصفراء ، فاستوفاه مني وتسلمت منه الجارية ضاحكة مستبشرة ، وانصرفت بها إلى حجرتي التي كنت آوي إليها ببغداد ، فما أخذها القرار حتى أخرجت كتاب مولاها ( عليه السلام ) من جيبها وهي تلثمه وتضعه على خدها ، وتطبقه على جفنها وتمسحه على بدنها ، فقلت تعجباً منها : أتلثمين كتاباً ، ولا تعرفين صاحبه ؟
قالت : أيها العاجز الضعيف المعرفة بمحل أولاد الأنبياء ( عليهم السلام ) ، أعرني سمعك وفرغ لي قلبك : أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم ، وأمي من ولد الحواريين تنسب إلى وصي المسيح شمعون ، أنبئك العجب العجيب : إن جدي قيصر أراد أن يزوجني من ابن أخيه ، وأنا من بنات ثلاث عشرة سنة ، فجمع في قصره من نسل الحواريين ومن القسيسين والرهبان ثلاث مائة رجل ، ومن ذوي الأخطار سبع مائة رجل ، وجمع من أمراء الأجناد وقواد العساكر ونقباء الجيوش وملوك العشائر أربعة آلاف ، وأبرز من بهوملكه عرشاً مصوغاً من أصناف الجواهر ، إلى صحن القصر فرفعه فوق أربعين مرقاة ، فلما صعد ابن أخيه وأحدقت به الصلبان ، وقامت الأساقفة عُكَّفاً ونُشرت أسفار الإنجيل ، تسافلت الصلبان من الأعالي فلصقت بالأرض ، وتقوضت الأعمدة فانهارت إلى القرار ، وخر الصاعد من العرش مغشياً عليه ! فتغيرت ألوان الأساقفة وارتعدت فرائصهم ، فقال كبيرهم لجدي : أيها الملك أعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالة على زوال هذا الدين المسيحي والمذهب الملكاني ، فتطير جدي من ذلك تطيراً شديداً ، وقال للأساقفة : أقيموا هذه الأعمدة وارفعوا الصلبان ، واحضروا أخا هذا المدبر العاثر المنكوس جده ، لأزوج منه هذه الصبية فيدفع نحوسه عنكم بسعوده ، فلما فعلوا ذلك حدث على الثاني ما حدث على الأول ، وتفرق الناس وقام جدي قيصر مغتماً ، ودخل قصره وأرخيت الستور !
فأُرِيتُ في تلك الليلة كأن المسيح وشمعون وعدة من الحواريين ، قد اجتمعوا في قصر جدي ونصبوا فيه منبراً يباري السماء علواً وارتفاعاً ، في الموضع الذي كان جدي نصب فيه عرشه ، فدخل عليهم محمد ( صلى الله عليه وآله ) مع فتية وعدة من بنيه فيقوم إليه المسيح فيعتنقه فيقول : يا روح الله إني جئتك خاطباً من وصيك شمعون فتاته مليكة لابني هذا ، وأومأ بيده إلى أبي محمد صاحب هذا الكتاب ، فنظر المسيح إلى شمعون فقال له : قد أتاك الشرف فصل رحمك برحم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : قد فعلت ، فصعد ذلك المنبر وخطب محمد وزوجني وشهد المسيح وشهد بنومحمد والحواريون ، فلما استيقظت من نومي أشفقت أن أقص هذه الرؤيا على أبي وجدي مخافة القتل ، فكنت أسرُّها في نفسي ولا أبديها لهم .
وضرب صدري بمحبة أبي محمد حتى امتنعت من الطعام والشراب ، وضعفت نفسي ودق شخصي ومرضت مرضاً شديداً ، فما بقي من مدائن الروم طبيب إلا أحضره جدي وسأله عن دوائي ، فلما برَّحَ به اليأس قال : يا قرة عيني فهل تخطر ببالك شهوة فأزودكها في هذه الدنيا ؟ فقلت : يا جدي أرى أبواب الفرج عليَّ مغلقة ، فلو كشفت العذاب عمن في سجنك من أسارى المسلمين ، وفككت عنهم الأغلال وتصدقت عليهم ومننتهم بالخلاص لرجوت أن يهب المسيح وأمه لي عافية وشفاء .
فلما فعل ذلك جدي تجلدت في إظهار الصحة في بدني ، وتناولت يسيراً من الطعام فسر بذلك جدي ، وأقبل على إكرام الأسارى وإعزازهم ، فرأيت أيضاً بعد أربع ليال كأن سيدة النساء قد زارتني ومعها مريم بنت عمران ، وألف وصيفة من وصائف الجنان فتقول لي مريم : هذه سيدة النساء أم زوجك أبي محمد ، فأتعلق بها وأبكي وأشكو إليها امتناع أبي محمد من زيارتي ، فقالت لي سيدة النساء ( عليها السلام ) : إن ابني أبا محمد لايزورك وأنت مشركة بالله وعلى مذهب النصارى ، وهذه أختي مريم تبرأ إلى الله تعالى من دينك ، فإن ملت إلى رضا الله عز وجل ورضا المسيح ومريم عنك ، وزيارة أبي محمد إياك فتقولي : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن أبي محمداً رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . فلما تكلمت بهذه الكلمة ضمتني سيدة النساء إلى صدرها فطيبت لي نفسي وقالت : الآن توقعي زيارة أبي محمد إياك ، فإني منفذته إليك . فانتبهت وأنا أقول : وا شوقاه إلى لقاء أبي محمد ، فلما كانت الليلة القابلة جاءني أبو محمد ( عليه السلام ) في منامي ، فرأيته كأني أقول له جفوتني يا حبيبي بعد أن شغلت قلبي بجوامع حبك !
قال : ما كان تأخيري عنك إلا لشركك ، وإذ قد أسلمت فإني زائرك في كل ليلة إلى أن يجمع الله شملنا في العيان ، فما قطع عني زيارته بعد ذلك إلى هذه الغاية !
قال بشر : فقلت لها وكيف وقعت في الأسر ؟ فقالت : أخبرني أبو محمد ليلة من الليالي أن جدَّك سيسرب جيوشاً إلى قتال المسلمين يوم كذا ، ثم يتبعهم ، فعليك باللحاق بهم متنكرة في زي الخدم ، مع عدة من الوصائف من طريق كذا ، ففعلت فوقعت علينا طلائع المسلمين حتى كان من أمري ما رأيت وما شاهدت ، وما شعر أحد بي بأني ابنة ملك الروم إلى هذه الغاية سواك ، وذلك بإطلاعي إياك عليه .
وقد سألني الشيخ الذي وقعت إليه في سهم الغنيمة عن اسمي فأنكرته وقلت نرجس ، فقال : اسم الجواري . فقلت : العجب أنك رومية ولسانك عربي . قالت : بلغ من ولوع جدي وحمله إياي على تعلم الآداب أن أوعز إلي امرأة ترجمان له في الاختلاف إلي ، فكانت تقصدني صباحاً ومساءً وتفيدني العربية ، حتى استمر عليها لساني واستقام .
قال بشر : فلما انكفأت بها إلى سر من رأى دخلت على مولانا أبي الحسن العسكري ( عليه السلام ) فقال لها : كيف أراك الله عز الإسلام وذل النصرانية وشرف أهل بيت محمد ( صلى الله عليه وآله ) ؟ قالت : كيف أصف لك يا ابن رسول الله ما أنت أعلم به مني . قال : فإني أريد أن أكرمك ، فأيما أحب إليك عشرة آلاف درهم أم بشرى لك فيها شرف الأبد ؟ قالت : بل البشرى ، قال : فأبشري بولد يملك الدنيا شرقاً وغرباً ، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً . قالت : ممن ؟ قال : ممن خطبك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) له من ليلة كذا من شهر كذا من سنة كذا بالرومية . قالت : من المسيح ووصيه ؟ قال : فممن زوجك المسيح ووصيه ؟ قالت : من ابنك أبي محمد . قال : فهل تعرفينه ؟ قالت : وهل خلوت ليلة من زيارته إياي منذ الليلة التي أسلمت فيها على يد سيدة النساء أمه ؟
فقال أبو الحسن ( عليه السلام ) : يا كافور أدع لي أختي حكيمة ، فلما دخلت عليه قال ( عليه السلام ) لها : ها هيه ، فاعتنقتها طويلاً وسرت بها كثيراً ، فقال لها مولانا : يا بنت رسول الله أخرجيها إلى منزلك ، وعلميها الفرائض والسنن ، فإنها زوجة أبي محمد ، وأم القائم (عليه السلام) ) .
استشهاده
وبعد أن أدّى الإمام العسكري ( عليه السّلام ) مسؤوليته بشكل كامل تجاه دينه وأمّة جده ( صلّى اللّه عليه واله ) وولده ( عليه السّلام ) نعى نفسه قبل سنة ستين ومئتين ، وأخذ يهدّئ روع والدته قائلا لها : لا بد من وقوع أمر اللّه لا تجزعي . . ، ونزلت الكارثة كما قال ، والتحق بالرفيق الأعلى بعد أن اعتلّ ( عليه السّلام ) في أوّل يوم من شهر ربيع الأول من ذلك العام. ولم تزل العلة تزيد فيه والمرض يثقل عليه حتى استشهد في الثامن من ذلك الشهر ، وروي أيضا أنه قد سم واغتيل من قبل السلطة حيث دس السم له المعتمد العباسي الذي كان قد أزعجه تعظيم الأمة للإمام العسكري وتقديمهم له على جميع الهاشميين من علويين وعباسيين فأجمع رأيه على الفتك به.
ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمد ( الحجة ) وكان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين وقد آتاه اللّه الحكمة وفصل الخطاب .
ودفن الإمام الحسن العسكري ( عليه السّلام ) إلى جانب أبيه الإمام الهادي ( عليه السّلام ) في سامراء ، وقد ذكر أغلب المؤرخين أنّ سنة وفاته كانت ( 260 هـ ) وأشاروا إلى مكان دفنه . دون إيضاح لسبب وفاته.
وروى ابن الصباغ عن أحمد بن عبيد اللّه بن خاقان أنه قال : لما اعتل ( ابن الرضا ) ( عليه السّلام ) ، بعث ( جعفر بن علي ) إلى أبي : أن ابن الرضا ( عليه السّلام ) قد اعتل فركب أبي من ساعته مبادرا إلى دار الخلافة : ثم رجع مستعجلا ومعه خمسة نفر من خدم الخليفة كلهم من ثقاته ورجال دولته وفيهم نحرير ، وأمرهم بلزوم دار الحسن بن علي وتعرّف خبره وحاله ، وبعث إلى نفر من المتطببين وأمرهم بالاختلاف إليه وتعاهده في الصباح والمساء ، فلما كان بعدها بيومين جاءه من أخبره أنّه قد ضعف فركب حتى بكّر إليه ثم أمر المتطببين بلزومه وبعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلسه وأمره أن يختار من أصحابه عشرة ممن يوثق به في دينه وأمانته وورعه فأحضرهم وبعث بهم إلى دار الحسن ( عليه السّلام ) وأمرهم بلزوم داره ليلا ونهارا فلم يزالوا هناك حتى توفي لأيّام مضت من شهر ربيع الأول من سنة ستين ومائتين.
يتضح لنا من خلال متابعة تاريخ الإمام العسكري ( عليه السّلام ) وموقف السلطة العباسية منه أنّ محاولة للتخلّص من الإمام قد دبّرت من قبل الخليفة المعتمد خصوصا إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار سلسلة الاجراءات التي اتخذتها السلطة إزاء الإمام علي الهادي ( عليه السّلام ) أوّلا ، ثم ما اتخذته من إجراءات ضد الإمام الحسن العسكري ( عليه السّلام ) ، فقد قامت بسجنه عدّة مرات فضلا عن المراقبة المشددة على بيته ، كما حاولت نفيه إلى الكوفة ، وغيرها من الاجراءات التعسّفيّة ضدّه وضد شيعته وضد العلويين ، ووفقا لذلك وبضم رواية أحمد بن عبيد اللّه بن خاقان والذي كان أبوه أحد أبرز رجالات الدولة ، يتأكّد لنا أنّ استشهاد الإمام العسكري ( عليه السّلام ) كانت وراءه أيدي السلطة الآثمة دون أدنى شك .
الصلاة على الإمام العسكري ( عليه السّلام )
وكان لاستشهاد الإمام العسكري ( عليه السّلام ) صدى كبير في سامراء حيث عطّلت الدكاكين وسارع العامة والخاصة مهر عين إلى بيت الإمام ، ويروي أحمد بن عبيد اللّه واصفا ذلك اليوم العظيم قائلا : ولما رفع خبر وفاته ، ارتجّت سرّ من رأى وقامت ضجة واحدة : مات ابن الرضا، وعطّلت الأسواق ، وغلّقت أبواب الدكاكين وركب بنو هاشم والكتّاب والقوّاد والقضاة والمعدّلون وساير الناس إلى أن حضروا جنازته فكانت سرّ من رأى شبيها بالقيامة.
وبعد ما جهّز الإمام العسكري ( عليه السّلام ) خرج عقيد خادمه ، فنادى جعفر بن علي فقال : يا سيدي قد كفّن أخوك ، فقم وصلّ عليه ، فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله يتقدّمهم عثمان بن سعيد العمري وهو أحد وكلائه ( ووكيل الإمام الحجة ( عليه السّلام ) فيما بعد ) ، ولما دخلوا الدار فإذا بالحسن بن علي صلوات اللّه عليه على نعشه مكفّنا ، فتقدّم جعفر بن علي ليصلي عليه ، فلما همّ بالتكبير خرج صبيّ بوجهه سمرة بشعره قطط ، وبأسنانه تفليج فجذب رداء جعفر وقال : يا عمّ ، أنا أحقّ بالصّلاة على أبي ، فتأخر جعفر وقد اربدّ وجهه واصفرّ ، فتقدّم الصبي فصلّى عليه ( عليه السّلام ).
ولما اخرج نعش الإمام العسكري ( عليه السّلام ) صلّى عليه أبو عيسى بن المتوكل بأمر الخليفة المعتمد العباسي ، تمويها على الرأي العام حول استشهاد الإمام (عليه السّلام)، وكأنّ السلطة ليس لها في ذلك يد بل على العكس ، فإنّها قد أظهرت اهتماما كبيرا أيام مرض الإمام (عليه السّلام) وخرج كبار رجالات البلاط العباسي مشيعين... ، ولكن مثل هذه الأمور لا يمكن أن تنطلي على شيعة الإمام ومواليه ، وهكذا غالبية المسلمين الذين عاصروا ما جرى للإمام ( عليه السّلام ) من قبل السلطة من سجن وتضييق .
وروى الطوسي في الغيبة / 357 : ( لما مات الحسن بن علي (عليهما السلام) حضر غسله عثمان بن سعيد رضي الله عنه وأرضاه ، وتولى جميع أمره في تكفينه وتحنيطه وتقبيره ، مأموراً بذلك للظاهر من الحال التي لا يمكن جحدها ولا دفعها ، إلا بدفع حقائق الأشياء في ظواهرها . وكانت توقيعات صاحب الأمر (عليه السلام) تخرج على يدي عثمان بن سعيد وابنه أبي جعفر محمد بن عثمان إلى شيعته وخواص أبيه أبي محمد (عليه السلام) بالأمر والنهي والأجوبة عما يسأل الشيعة عنه إذا احتاجت إلى السؤال فيه بالخط الذي كان يخرج في حياة الحسن (عليه السلام) فلم تزل الشيعة مقيمة على عدالتهما إلى أن توفي عثمان بن سعيد رحمه الله ورضي عنه، وغسله ابنه أبو جعفر وتولى القيام به، وحصل الأمر كله مردوداً إليه، والشيعة مجتمعة على عدالته وثقته وأمانته ، لما تقدم له من النص عليه بالأمانة والعدالة والأمر بالرجوع إليه في حياة الحسن (عليه السلام) وبعد موته في حياة أبيه عثمان رحمة الله عليه) .
وفي كمال الدين: قال أبو الأديان: "كنت أخدم الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام وأحمل كتبه إلى الأمصار فدخلت عليه في علّته التي توفي فيها صلوات اللّه عليه فكتب معي كتباً وقال: امض بها إلى المدائن فإنك ستغيب خمسة عشر يوماً وتدخل إلى سر من رأى يوم الخامس عشر وتسمع الواعية في داري وتجدني على المغتسل، قال أبو الأديان: فقلت: يا سيدي فإذا كان ذلك فمن. قال من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم من بعدي. فقلت زدني: فقال: "من يصلّي عليَّ فهو القائم بعدي".
فقلت: زدني، فقال: "من أخبر بما في الهميان فهو القائم بعدي".
ثم منعتني هيبته أن أسأله عما في الهميان.
وخرجت بالكتب إلى المدائن وأخذت جواباتها ودخلت سر من رأى يوم الخامس عشر كما ذكر لي عليه السلام فإذا أنا بالواعية في داره وإذا به على المغتسل وإذا أنا بجعفر بن علي أخيه بباب الدار والشيعة من حوله يعزونه ويهنؤنه فقلت في نفسي: إن يكن هذا الإمام فقد بطلت الإمامة، ... تقدم جعفر ليصلي على أخيه فلما هم بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة بشعره قطط بأسنانه تفليج فجذب برداء جعفر بن علي وقال: "تأخر يا عم أنا أحق بالصلاة على أبي فتأخر جعفر وقد أربد وجهه وأصفر. فتقدم الصبي وصلّى عليه ودفن إلى جانب قبر أبيه، ثم قال: يا بصري هات جوابات الكتب التي معك فدفعتها إليه، فقلت في نفسي: هذه بينتان،...". كمال الدين وإتمام النعمة، ج2، ص475
الإرث الفكري والعلمي
معاجزه ودلائل إمامته
النصوص على إمامته
١- محمّد بن يعقوب في الكافي عن علي بن محمّد عن محمّد بن أحمد النهدي عن يحيى بن يسار القنبري قال
أوصى أبو الحسن (عليه السّلام) إلى ابنه الحسن قبل مضيّه بأربعة أشهر، و أشهدني على ذلك و جماعة من الموالي(١).
و رواه الشيخ في كتاب الغيبة عن يحيى بن يسار العنبري مثله.
٢- و عنه عن جعفر بن محمّد الكوفي عن بشار بن أحمد البصري عن علي بن عمر النوفلي قال:
كنت مع أبي الحسن (عليه السّلام) في صحن داره، فمرّ بنا محمّد ابنه فقلت: جعلت فداك هذا صاحبنا بعدك؟ فقال: لا صاحبكم بعدي الحسن(٢).
و رواه الحميري في الدلائل عن علي بن عمرو النوفلي على ما نقله صاحب كشف الغمة.
٣- وعنه عن بشار بن أحمد عن عبد اللّه بن محمّد الأصفهاني قال: قال أبو الحسن (عليه السّلام):
صاحبكم بعدي الذي يصلي عليّ قال: و لم نكن نعرف أبا محمّد (عليه السّلام) قبل ذلك، فخرج أبو محمّد فصلّى عليه(٣).
٤- وعنه عن موسى بن جعفر بن وهب، عن علي بن جعفر قال:
كنت حاضرا أبا الحسن (عليه السّلام) لما توفي ابنه محمّد، فقال للحسن: يا بنيّ أحدث للّه شكرا، فقد أحدث فيك أمرا(٤).
ورواه من عدة طرق.
٥- وعنه عن محمد بن أحمد القلانسي عن علي بن الحسين بن عمر عن علي بن مهزيار قال: قلت لأبي الحسن (عليه السّلام): إن كان كون و أعوذ باللّه فإلى من؟ قال: عهدي إلى الأكبر من ولدي يعني الحسن(5).
٦- و عنه عن أبي محمّد الأسبارقيني عن عليّ بن عمرو العطار قال:
دخلت على أبي الحسن العسكري (عليه السّلام) و أبو جعفر ابنه في الأحياء و أنا أظنّ أنه هو، فقلت له: جعلت فداك من أخصّ من ولدك؟ فقال: لا تخصّوا أحدا حتى يخرج إليكم أمري قال: فكتبت إليه بعد: فيمن يكون هذا الأمر؟ فكتب إليّ في الكبير من ولدي قال: و كان أبو محمّد أكبر من جعفر(6).
٧- و عنه عن إسحاق بن محمّد عن محمّد بن يحيى بن درياب قال:
دخلت على أبي الحسن (عليه السّلام) بعد مضيّ أبي جعفر فعزّيته عنه، و أبو محمّد جالس، فبكى أبو محمّد فأقبل إليه أبو الحسن فقال: إن اللّه تبارك و تعالى قد جعل فيك خلفا منه، فاحمد اللّه(7).
٨- و عنه عن إسحاق بن محمّد عن أبي هاشم الجعفري عن أبي الحسن (عليه السّلام) في حديث قال:
أبو محمّد ابني الخلف من بعدي عنده علم ما يحتاج إليه و معه آلة الإمامة(8).
٩- و عنه عن إسحاق بن محمّد عن محمّد بن يحيى بن درياب عن أبي بكر الفهفكي قال:
كتب إليّ أبو الحسن (عليه السّلام) أبو محمّد أنصح آل محمّد غريزة، و أوثقهم حجة، و هو الأكبر من ولدي و هو الخلف، و إليه ينتهي عرى الإمامة و أحكامها، فما كنت سائلي فسله عنه فعنده ما يحتاج إليه(9).
١٠- و عنه عن إسحاق بن محمّد عن شاهويه بن عبد اللّه الجلاب قال:
كتب إليّ أبو الحسن (عليه السّلام) في كتاب: أردت أن تسأل عن الخلف بعد أبي جعفر و قلقت لذلك فلا تغتمّ، فإن اللّه لا يضلّ قوما بعد إذ هداهم حتى يبيّن لهم ما يتقون، و صاحبك بعدي أبو محمّد ابني، و عنده ما تحتاجون إليه «الحديث»(10).
١١- و عنه عمّن ذكره عن محمّد بن أحمد العلوي عن داود بن القاسم قال:
سمعت أبا الحسن (عليه السّلام) يقول: الخلف من بعدي ابني الحسن «الحديث»(11).
١٢- و عن الحسين بن محمّد عن معلّى بن محمّد عن أحمد بن محمّد بن عبد اللّه بن مروان الأنباري عن أبي الحسن (عليه السّلام) في حديث أنه قال لأبي محمّد (عليه السّلام):
يا بنيّ أحدث للّه شكرا فقد أحدث اللّه فيك أمرا(12).
و رواه الصفار في بصائر الدرجات عن الحسين بن محمّد نحوه.
١٣- و عن محمّد بن يحيى و غيره عن سعد بن عبد اللّه عن جماعة من بني هاشم منهم الحسن بن الحسن الأفطس:
أنهم حضروا يوم توفي محمّد بن علي بن محمّد باب أبي الحسن (عليه السّلام) يعزّونه إلى أن قال: إذ نظر إلى الحسن بن علي قد جاء مشقوق الجيب حتى قام عن يمينه و نحن لا نعرفه، فنظر إليه أبو الحسن (عليه السّلام) بعد ساعة فقال: يا بنيّ أحدث للّه عز و جل شكرا فقد أحدث فيك أمرا فسألنا عنه، فقيل لنا: هذا ابنه و قدّرنا له في ذل الوقت عشرين سنة أو أرجح، فيومئذ عرفناه و علمنا أنه قد أشار إليه بالإمامة و أقامه مقامه(13).
____________
(١) الكافي: ج ١/ ٣٢٦، ح ٦.
(٢) الكافي: ج ١/ ٣٢٦، ح ٧.
(٣) الكافي: ج ١/ ٣٢٧، ح ٩.
(٤) الكافي: ج ١/ ٣٢٧، ح ١٠.
(٥) الكافي: ج ١/ ٣٢٧، ح ١١.
(٦) الكافي: ج ١/ ٣٢٨، ح ١٢.
(٧) الكافي: ج ١/ ٣٢٨، ح ١٣.
(8) الكافي: ج ١/ ٣٢٥، ح ١.
(9) الكافي: ج ١/ ٣٢٥، ح ٢.
(10) الكافي: ج ١/ ٣٢٦، ح ٣.
(11) الكافي: ج ١/ ٣٢٦، ح ٤.
(12) الكافي: ج ١/ ٣٢٦، ح ٨.
(13) الكافي: ج ١/ ٣٢٧، ح ٨.