الإمام علي الهادي (عليه السلام)
معاجزه ودلائل إمامته

روي في أمالي الشيخ الطوسي عن الامام عليّ النقي (عليه السلام) انّه قال: أخرجت إلى سرّ من رأى كرها ولو اخرجت عنها اخرجت كرها.

قال الراوي: قلت: ولم يا سيّدي؟

قال: لطيب هوائها وعذوبة مائها وقلّة دائها؛ ثم قال: تخرب سرّ من رأى حتى يكون فيها خان وبقّال للمارّة وعلامة تدارك خرابها تدارك العمارة في مشهدي من بعدي‏.

وروى القطب الراوندي عن جماعة من أهل اصفهان قالوا: كان بأصفهان رجل يقال له عبد الرحمن وكان شيعيّا قيل له: ما السبب الذي أوجب عليك به القول بإمامة عليّ النقيّ (عليه السلام) دون غيره من أهل الزمان؟

قال: شاهدت ما أوجب ذلك عليّ وذلك انّي كنت رجلا فقيرا وكان لي لسان وجرأة فأخرجني أهل اصفهان سنة من السنين مع قوم آخرين إلى باب المتوكل متظلّمين فكنّا بباب المتوكل يوما إذ خرج الأمر بإحضار عليّ بن محمد بن الرضا (عليهم السّلام) فقلت لبعض من حضر: من هذا الرجل الذي قد أمر بإحضاره؟

فقيل: هذا رجل علوي تقول الرافضة بإمامته ثم قيل: ويقدّر أنّ المتوكل يحضره للقتل فقلت: لا أبرح من هاهنا حتى أنظر إلى هذا الرجل أيّ رجل هو؟ قال: فأقبل راكبا على فرس وقد قام الناس يمنة الطريق ويسرته صفين ينظرون إليه فلمّا رأيته وقع حبّه في قلبي فجعلت أدعو له في نفسي بأن يدفع اللّه عنه شرّ المتوكل؛ فأقبل يسير بين الناس وهو ينظر إلى عرف‏ دابته لا ينظر يمنة ولا يسرة وأنا دائم الدعاء له فلمّا صار بازائي أقبل إليّ بوجهه وقال: استجاب اللّه دعاءك وطوّل عمرك وكثّر مالك وولدك.

قال: فارتعدت من هيبته ووقعت بين أصحابي فسألوني وهم يقولون: ما شأنك؟ فقلت: خير ولم أخبرهم بذلك.

فانصرفنا بعد ذلك إلى اصفهان ففتح اللّه عليّ الخير بدعائه ووجوها من المال حتى أنا اليوم أغلق بابي على ما قيمته ألف ألف درهم سوى مالي خارج داري ورزقت عشرة من الأولاد وقد بلغت الآن من عمري نيّفا وسبعين سنة وأنا أقول بإمامة هذا الذي علم ما في قلبي واستجاب اللّه دعاءه فيّ ولي‏.


عن محمد بن يعقوب عن الحسين بن محمد عن معلّى بن محمد عن الوشّاء عن خيران الاَسباطيّ قال: قدمت على أبي الحسن عليّ بن محمد (عليهما السلام) بالمدينة فقال لي: ما خبر الواثق عندك؟؛ قلت: جعلت فداك خلّفته في عافية أنا من أقرب الناس عهداً به عهدي به منذ عشرة أيّام. قال: فقال: إنّ الناس يقولون: إنّه مات فعلمت أنّه يعني نفسه ثمّ قال: ما فعل جعفر؟؛ قلت: تركته أسوء الناس حالاً في السجن.

قال: فقال: أما إنّه صاحب الاَمر ما فعل ابن الزيّات؟ قلت: الناس معه والاَمر أمره.

فقال: أمّا إنه شؤم عليه ثمّ سكت وقال لي: لا بدّ أن تجري مقادير الله وأحكامه يا خيران مات الواثق وقعد المتوكّل جعفر وقتل ابن الزيّات؛ قلت: متى جعلت فداك؟ فقال: بعد خروجك بستّة أيّام؟

وبهذا الاِسناد عن معلّى بن محمد عن أحمد بن محمد بن عبدالله عن عليّ بن محمد النوفليّ قال: قال لي محمد بن الفرج الرُخّجي: إنّ أبا الحسن (عليه السلام) كتب إليه: يا محمد أجمع أمرك وخذ حذرك؛ قال: فأنا في جمع أمري لست أدري ما الذي أراد بما كتب حتّى ورد عليّ رسول حملني من وطني مصفَّداً بالحديد وضرب على كلّ ما أملك فمكثت في السجن ثماني سنين ثمّ ورد عليّ كتاب منه وأنا في السجن: يا محمد بن الفرج لا تنزل في ناحية الجانب الغربي  فقرأت الكتاب وقلت في نفسي: يكتب أبو الحسن إليّ بهذا وأنا في السجن إنّ هذا لعجب! فما مكثت إلاّ أيّاماً يسيرة حتّى أُفرج عنّي وحُلّت قيودي وخُلّي سبيلي؛ قال: وكتبت إليه بعد خروجي أسأله أن يسأله الله تعالى أن يردّ عليّ ضيعتي فكتب اليّ: سوف تردّ عليك وما يضرّك ألاّ تردّ عليك؛ قال عليّ بن محمد النوفليّ: فلمّا شخص محمد بن الفرج الرُخَّجي إلى العسكر كُتب إليه بردّ ضياعه فلم يصل الكتاب حتّى مات.

قال النوفليّ: وكتب عليّ بن الخصيب إلى محمد بن الفرج بالخروج إلى العسكر فكتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) يشاوره فكتب إليه: اُخرج فإنّ فيه فرجك إن شاء الله فخرج فلم يلبث إلاّ يسيراً حتّى مات.

وذكر أحمد بن محمد بن عيسى قال: أخبرني أبو يعقوب قال: رأيت محمد بن الفرج قبل موته بالعسكر في عشيّة من العشايا وقد استقبل أبا الحسن (عليه السلام) فنظر إليه نظراً شافياً فاعتلّ محمد بن الفرج من الغد فدخلت عليه عائداً بعد أيّام من علّته فحدّثني أنّ أبا الحسن (عليه السلام) قد أنفذ إليه بثوب وأرانيه مدرجاً تحت رأسه.

قال: فكفّن والله فيه.

وذكر أيضاً عن أبي يعقوب قال: رأيت أبا الحسن (عليه السلام) مع أحمد بن الخصيب يتسايران وقد قصر أبو الحسن (عليه السلام) عنه فقال له ابن الخصيب: سر جعلت فداك؛ قال له أبو الحسن (عليه السلام): أنت المقدّم؛ فما لبثنا إلاّ أربعة أيّام حتّى وضع الدّهق على ساق ابن الخصيب وقتل.

قال: وألحّ عليه ابن الخصيب في الدار التي كان قد نزلها وطالبه بالانتقال منها وتسليمها إليه فبعث إليه أبو الحسن (عليه السلام): لأقعدن بك من الله مقعداً لا تبقى لك معه باقية؛ فأخذه الله في تلك الاَيّام.

ومما شاهده أبو هاشم داود بن القاسم الجعفريّ من دلائله (عليه السلام) وسمعته من السيّد الصالح أبي طالب الحسيني القصيّ رحمه الله بالإسناد الذي تقدّم ذكره عن أبي عبدالله أحمد بن محمد بن عيّاش قال : حدّثني أبو طالب عبدالله بن أحمد بن يعقوب قال : حدّثنا الحسين بن أحمد المالكيّ الاَسديّ قال : أخبرني أبو هاشم الجعفريّ قال : كنت بالمدينة حين مرّبها بغاء أيّام الواثق في طلب الاَعراب فقال أبو الحسن (عليه السلام) : اُخرجوا بنا حتّى ننظر إلى تعبئة هذا التركيّ ؛ فخرجنا فوقفنا فمرّت بنا تعبئته فمرّ بنا تركيّ فكلّمه أبو الحسن (عليه السلام) بالتركيّة فنزل عن فرسه فقبّل حافر دابّته .

قال: فحلّفت التركيّ وقلت له: ما قال لك الرجل؟ قال: هذا نبيّ؟ قلت: ليس هذا بنبيّ.

قال: دعاني باسم سُمّيت به في صغري في بلاد الترك ما علمه أحد إلى الساعة.

قال أبو عبد الله بن عيّاش: وحدّثني عليّ بن حبشيّ بن قوني قال: حدّثنا جعفر بن محمد بن مالك قال: حدّثنا أبو هاشم الجعفريّ قال: دخلت على أبي الحسن (عليه السلام) فكلّمني بالهنديّة فلم أحسن أن أردّ عليه وكان بين يديه ركوة ملأى حصىً فتناول حصاة واحدة ووضعها في فيه فمصّها ثلاثاً ثمّ رمى بها إليّ فوضعتها في فمي فوالله ما برحت من عنده حتّى تكلّمت بثلاثة وسبعين لساناً أوّلها الهندية.

قال ابن عيّاش: وحدّثني عليّ بن محمد المقعد قال : حدّثني يحيى ابن زكريّا الخزاعي عن أبي هاشم قال: خرجت مع أبي الحسن (عليه السلام) إلى ظاهر سرّ من رأى نتلقّى بعض الطالبيّين فأبطأ فطرح لابي الحسن (عليه السلام) غاشية السرج فجلس عليها ونزلت عن دابّتي وجلست بين يديه وهو يحدّثني وشكوت إليه قصور يدي فأهوى بيده إلى رمل كان عليه جالساً فناولني منه أكفّاً وقال: اتّسع بهذا يا أبا هاشم واكتم ما رأيت ؛ فخبأته معي ورجعنا فأبصرته فإذا هو يتّقد كالنيران ذهباً أحمر فدعوت صائغاً إلى منزلي وقلت له: أسبك لي هذا فسبكه وقال: ما رأيت ذهباً أجود منه وهو كهيئة الرمل فمن أين لك هذا فما رأيت أعجب منه؟ قلت: هذا شيء عندنا قديماً تدّخره لنا عجائزنا على طول الاَيّام.

قال ابن عيّاش: وحدّثني أبو طاهر الحسن بن عبد القاهر الطاهري قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن الاَشتر العلويّ قال: كنت مع أبي على باب المتوكّل وأنا صبيّ في جمع من الناس ما بين عباسي إلى طالبيّ إلى جندي وكان إذا جاء أبو الحسن ترجّل الناس كلّهم حتّى يدخل فقال بعضهم لبعض: لِمَ نترجل لهذا الغلام وما هو بأشرفنا ولا بأكبرنا سناً؟! والله لا ترجلنا له. فقال أبو هاشم الجعفريّ: والله لترجلنَّ: والله لترجلنَّ له صغرة إذا رأيتموه.

فما هو إلاّ أن أقبل وبصروا به حتّى ترجّل له الناس كلّهم فقال لهم أبو هاشم: أليس زعمتم أنّكم لا تترجلون له؟ فقالوا له: والله ما ملكنا أنفسنا حتّى ترجّلنا.

قال: وحدّثني أبو القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الصالحيّ من آل إسماعيل بن صالح وكان أهل بيته بمنزلة من السادة (عليهم السلام) ومكاتبين لهم: أنّ أبا هاشم الجعفريّ شكا إلى مولانا أبي الحسن عليّ بن محمد (عليه السلام) ما يلقى من الشوق إليه إذا انحدر من عنده إلى بغداد وقال له: يا سيّدي ادع الله لي فما لي مركوب سوى برذوني هذا على ضعفه.

فقال: قوّاك الله يا أبا هاشم وقوّى برذونك؛ قال: فكان أبو هاشم يصلّي الفجر ببغداد ويسير على البرذون فيدرك الزوال من يومه ذلك عسكر سرّ من رأى ويعود من يومه إلى بغداد إذا شاء على ذلك البرذون بعينه فكان هذا من أعجب الدلائل التي شوهدت.

وروى محمد بن يعقوب عن عليّ بن محمد عن إبراهيم بن محمد الطاهري قال: مرض المتوكّل من خُراج خرج به فأشرف منه على الموت فلم يجسر أحدٌ أن يمسّه بحديد فنذرت اُمّه ان عوفي ان تحمل إلى أبي الحسن (عليه السلام) مالاً جليلاً من مالها.

وقال الفتح بن خاقان للمتوكل: لو بعثت إلى هذا الرجل يعني أبا الحسن فإنّه ربّما كان عنده صفة شيء يفرّج الله تعالى به عنك.

فقال : ابعثوا إليه ؛ فمضى الرسول ورجع فقال : خذوا كُسْبَ الغنم فديفوه بماء ورد وضعوه على الخراج فإنّه نافع بإذن الله تعالى ؛ فجعل من يحضر المتوكّل يهزأ من قوله فقال لهم الفتح: وما يضرّ من تجربة ما قال فوالله إنّي لأرجو الصلاح به ؛فاحضر الكُسْب وديف بماء الورد ووضع على الخراج فخرج منه ما كان فيه وبُشّرت اُمّ المتوكّل بعافيته فحملت إلى أبي الحسن (عليه السلام) عشرة آلاف دينار تحت ختمها واستقلّ المتوكّل من علّته؛ فلما كان بعد أيّام سعى البطحائي بأبي الحسن (عليه السلام) إلى المتوكّل وقال: عنده أموال وسلاح فتقّدم المتوكل إلى سعيد الحاجب أن يهجم عليه ليلاً ويأخذ ما يجد عنده من الاَموال والسلاح ويحمله إليه.

قال إبراهيم: قال لي سعيد الحاجب: صرت إلى دار أبي الحسن (عليه السلام) بالليل ومعي سلّم فصعدت منه على السطح ونزلت من الدرجة إلى بعضها في الظلمة فلم أدر كيف أصل إلى الدار فناداني أبو الحسن (عليه السلام) من الدار: يا سعيد مكانك حتّى يأتوك بشمعة ؛ فلم ألبث أن آتوني بشمعة فنزلت فوجدت عليه جبّة صوف وقلنسوة منها وسجّادة على حصير بين يديه وهو مقبل على القبلة فقال لي : دونك البيوت  فدخلتها وفتّشتها فلم أجد فيها شيئاً ووجدت البدرة مختومة بخاتم أمّ المتوكّل وكيساً مختوماً معها فقال لي أبو الحسن (عليه السلام): دونك المصلّى  فرفعته فوجدت سيفاً في جفن غير ملبوس فأخذت ذلك وصرت إليه  فلمّا نظر إلى خاتم اُمّه على البدرة بعث إليها فخرجت إليه فسألها عن البدرة فأخبرني بعض خدم الخاصّة أنّها قالت: كنت نذرت في علّتك إن عوفيت أن أحمل إليه من مالي عشرة آلاف دينار فحملتها إليه وهذا خاتمي على الكيس ما حرّكها؛ وفتح الكيس الآخر فاذا فيه أربعمائة دينار فأمر أن تضمّ إلى البدرة بدرة اُخرى وقال لي: احمل ذلك إلى أبي الحسن واردد عليه السيف والكيس.

فحملت ذلك واستحييت منه وقلت له: يا سيّدي عزّ عليّ دخولي دارك بغير إذنك ولكني مأمور؛ فقال لي: يا سعيد {سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227].

وروى الحسين بن الحسن الحسني قال: حدّثني أبو الطّيب يعقوب ابن ياسر قال: كان المتوكّل يقول: ويحكم أعياني أمر ابن الرضا وجهدت أن يشرب معي وينادمني فامتنع.

فقال له بعض من حضر: إن لم تجد من ابن الرضا ما تريد من هذه الحال فهذا أخوه موسى قصّاف عزّاف يأكل ويشرب ويعشق ويتخالع فأحضره واشهره فإنّ الخبر يسمع عن ابن الرضا ولا يفرّق الناس بينه وبين أخيه من عرفه اتّهم أخاه بمثل فعاله.

فقال: اكتبوا بشخاصه مكرماً؛ فاُشخص وتقدّم المتوكّل أن يتلقّاه جميع بني هاشم والقوّاد وسائر الناس وعمل على أنّه إذا وافى أقطعه قطيعة وبنى له فيها وحوّل إليها الخمّارين والقيان وتقدّم بصلته وبرّه وأفرد له منزلاً سريّاً يصلح لاَن يزوره هو فيه؛ فلمّا وافى موسى تلقّاه أبو الحسن (عليه السلام) في قنطرة وصيف فسلّم عليه ثمّ قال له إنّ هذا الرجل قد أحضرك ليهتكك ويضع منك فلا تقرّ له أنّك شربت نبيذاً قطّ واتّق الله يا أخي أن ترتكب محظوراً؛ فقال له موسى: إنّما دعاني لهذا فما حيلتي؟ قال: فلا تضع من قدرك ولا تعص ربّك ولا تفعل ما يشينك فما غرضه إلاّ هتكك ؛ فأبى عليه موسى وكرّر أبو الحسن عليه القول والوعظ وهو مقيم على خلافه فلمّا رأى أنّه لا يجيب قال: أمّا إنّ الذي تريد الاجتماع معه عليه لا تجتمع عليه أنت وهو أبداً؛ قال: فأقام ثلاث سنين يبكر كلّ يوم إلى باب المتوكّل ويروح فيقال له: قد سكر أوقد شرب دواء حتّى قتل المتوكّل ولم يجتمع معه على شراب.

وذكر الحسن بن محمد بن جمهور العمّيّ في كتاب الواحدة قال: حدّثني أخي الحسين بن محمد قال: كان لي صديق مؤدّب لولد بغاء أو وصيف الشكّ منّي فقال لي: قال لي الاَمير منصرفه من دار الخليفة: حبس أمير المؤمنين هذا الذي يقولون: ابن الرضا اليوم ودفعه إلى عليّ بن كركر فسمعته يقول: أنا أكرم على الله من ناقة صالح {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود: 65] وليس يفصح بالآية ولا بالكلام أيّ شيء هذا؟ فلمّا كان من الغد أطلقه واعتذر إليه فلمّا كان في اليوم الثالث وثب عليه: باغز ويغلون وتامش وجماعة معهم فقتلوه وأقعدوا المنتصر ولده خليفة.

قال: وحدّثني أبو الحسين سعيد بن سهلويه البصريّ وكان يلقّب بالملاّح قال: كان يقول بالوقف جعفر بن القاسم الهاشميّ البصريّ وكنت معه بسرّ من رأى إذا رآه ابو الحسن (عليه السلام) في بعض الطرق فقال له: إلى كم هذه النومة؟ أما آن لك أن تنتبه منها؟؛ فقال لي جعفر: سمعت ما قال لي عليّ بن محمد قد والله قدح في قلبي شيء؛ فلمّا كان بعد أيّام حدث لبعض أولاد الخليفة وليمة فدعانا فيها ودعا أبا الحسن معنا فدخلنا فلمّا رأوه أنصتوا إجلالاً له وجعل شابٌ في المجلس لا يوقّره وجعل يلفظ ويضحك فأقبل عليه وقال له: يا هذا فلمّا كان من الغد أطلقه واعتذر إليه فلمّا كان في اليوم الثالث وثب عليه: باغز ويغلون وتامش وجماعة معهم فقتلوه وأقعدوا المنتصر ولده خليفة.

وحدثني سعيد أيضاً قال: اجتمعنا أيضاً في وليمة لبعض أهل سرّ من رأى وأبو الحسن معنا فجعل رجلٌ يعبث ويمزح ولا يرى له جلالاً فأقبل على جعفر فقال: أما إنّه لا يأكل من هذا الطعام وسوف يرد عليه من خبر أهله ما ينغّص عليه عيشه؛ قال: فقُدمت المائدة قال جعفر: ليس بعد هذا خبرٌ قد بطل قوله فوالله لقد غسل الرجل يده وأهوى إلى الطعام فإذا غلامه قد دخل من باب البيت يبكي وقال له: الحق اُمّك فقد وقعت من فوق البيت وهي بالموت. قال جعفر: قلت: والله لا وقفت بعد هذا وقطعت عليه

القطب الراوندي: عن أبي سعيد سهل بن زياد قال: حدثنا ابو العباس فضل بن احمد بن اسرائيل الكاتب ونحن في داره بسامراء فجرى ذكر ابي الحسن (عليه السلام) فقال: يا ابا سعيد اني احدثك بشيء حدثني به ابي قال: كنا مع المعتز وكان ابي كاتبه فدخلنا الدار واذا المتوكل على سريره قاعد فسلم المعتز ووقف ووقفت خلفه وكان عهدي به اذا دخل رحب به ويأمره بالقعود فأطال القيام وجعل يرفع رجلا ويضع اخرى وهو لا يأذن له بالقعود ونظرت الى وجهه يتغير ساعة ويقبل الفتح بن خاقان ويقول: هذا الذي تقول فيه ما تقول ويردد عليه القول والفتح مقبل عليه يسكنه ويقول مكذوب عليه يا امير المؤمنين وهو يتلظّى ويقول: واللّه لاقتلن هذا المرائي وهو الذي يدَّعي الكذب ويطعن في دولتي ثم قال جئني  بأربعة من الخزر جلافلا يفقهون فجيء بهم ودفع اليهم اربعة اسياف وامرهم ان يرطنوا بألسنتهم اذ دخل ابو الحسن (عليه السلام) ويقبلوا عليه بأسيافهم فيخبطوه وهو يقول واللّه لأحرقنه بعد القتل وانا منتصب قائم خلف المعتز من وراء الستر فما علمت الا بأبي الحسن (عليه السلام) قد دخل وقد بادر الناس قدامه وقالوا قد جاء والتفت فاذا انا به وشفتاه يتحركان وهو غير مكروب ولا جازع فلما بصر به المتوكل رمى بنفسه عن السرير اليه وسبقه وانكب عليه فقبل ما بين عينيه ويديه وسيفه بيده وهو يقول: يا سيدي يا ابن رسول اللّه يا خير خلق الله يا ابن عمي يا مولاي يا ابا الحسن وابو الحسن (عليه السلام) يقول اعيذك يا امير المؤمنين باللّه اعفني من هذا فقال ما جاء بك يا سيدي في هذا الوقت؟. قال جاءني رسولك فقال: المتوكل يدعوك ثم قال: كذب ابن الفاعلة ارجع يا سيدي من حيث شئت يا فتح يا عبد اللّه يا معتز شيعوا سيِّدكم وسيِّدي فلما بصر به الخزر خروا سجَّداً مذعنين فلما خرج دعاهم المتوكل ثم امر الترجمان ان يخبره بما يقولون ثم قال لهم: لِمَ لم تفعلوا ما امرتكم به؟ قالوا: شدة هيبته رأينا حوله أكثر من مئة سيف لم نقدر أن نتأملهم فمنعنا ذلك عما أمرت به وامتلأت قلوبنا من ذلك رعباً .

فقال المتوكل يا فتح هذا صاحبك وضحك الفتح في وجهه فقال: الحمد للّه الذي بيَّض وجهه وأنار حجته

 والروايات في هذا الباب كثيرة وفيما أوردناه كفاية.