الإمام علي الهادي (عليه السلام)
قدومه إلى سامراء

لأجل مراقبة الإمام الهادي عن كثب اتّبع المتوكل نفس طريقة أجداده الخبيثة وكان يعد لأن يريح نفسه من ناحية الإمام بأي وسيلة كانت، وقد اتخذ المأمون نفس السياسة من قبل في مراقبة تحركات والده الإمام الجواد (عليه السلام)،  فقد استطاع أن يراقب تحركات الإمام حتى في بيته من خلال زواج ابنته منه وأن يضبط جميع لقاءات الإمام وسكناته وحركاته.

وبعد استشهاد الإمام الجواد (عليه السلام) واستخلاف الإمام الهادي (عليه السلام) كان تنفيذ هذه السياسة يبدو ضرورياً للخليفة؛ لأنّه لو أقام الإمام في المدينة بعيداً عن متناول الخليفة لكان ذلك يشكل خطراً كبيراً على سلطته الطاغية، وحينئذ سيجعل أقلّ تقرير حول خطر الإمام المحتمل الخليفة أن يخرج خطته وسياسته تلك إلى حيز التنفيذ، كما أقلقت الخليفة رسالة عامله على المدينة بشكل كبير ممّا انتهى إلى نقل الإمام من المدينة إلى سامراء، وذلك انّ عبد اللّه بن محمد الهاشمي عامل المدينة قد أقلق الخليفة من نشاطات الإمام السياسية وبيّن له اتساع قاعدته الشعبية، غير انّ الإمام الهادي (عليه السلام) كذّب جميع ادّعاءات عبد اللّه برسالة أرسلها إلى المتوكل وشكا منه إليه وكأكثر سياسِيِّ العالم وفي حركة مخادعة ومزدوجة، نحّى المتوكل عبد اللّه من عمله من ناحية، وأمر كاتبه بأن يكتب رسالة إلى الإمام يعبّر فيها عن مدى حبّه للإمام ولكنّها كانت في الواقع بمثابة أمر بالاعتقال وبطريقة مهذبة.

يذكر المفيد (رحمه الله) في إرشاده: كان سبب شخوص أبي الحسن (عليه السلام) إلى سر من رأى أن عبد الله بن محمد كان يتولى الحرب والصلاة في مدينة الرسول (صلى الله عليه واله) فسعى بأبي الحسن (عليه السلام) إلى المتوكل وكان يقصده بالأذى وبلغ أبا الحسن سعايته به فكتب إلى المتوكل يذكر تحامل عبد الله بن محمد ويكذبه فيما سعى به فتقدم المتوكل بإجابته عن كتابه ودعائه فيه إلى حضور العسكر على جميل من القول والفعل فخرجت نسخة الكتاب:

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد فإن أمير المؤمنين عارف بقدرك راع لقرابتك موجب لحقك مؤثر من الأمور فيك وفي أهل بيتك ما يصلح به حالك وحالهم ويثبت عزك وعزهم ويدخل الأمن عليك وعليهم ويبتغي بذلك رضا ربه وأداء ما افترض عليه فيك وفيهم وقد رأى أمير المؤمنين صرف عبد الله بن محمد عما كان يتولى من الحرب والصلاة بمدينة الرسول (صلى الله عليه واله) إذ كان على ما ذكرت من جهالته بحقك واستخفافه بقدرك وعند ما قرنك به ونسبك إليه من الأمر الذي قد علم أمير المؤمنين براءتك منه وصدق نيتك في برك وقولك وأنك لم تؤهل نفسك لما فرقت بطلبه وقد ولى أمير المؤمنين ما كان يلي من ذلك محمد بن الفضل وأمره بإكرامك وتبجيلك والانتهاء إلى أمرك ورأيك والتقرب إلى الله وإلى أمير المؤمنين بذلك وأمير المؤمنين مشتاق إليك يحب إحداث العهد بك والنظر إليك فإن نشطت لزيارته والمقام قبله ما أحببت شخصت ومن اخترت من أهل بيتك ومواليك وحشمك على محله و طمأنية ترحل إذا شئت وتنزل إذا شئت وتسير كيف شئت وإن أحببت أن يكون يحيى بن هرثمة مولى أمير المؤمنين ومن معه من الجند يرحلون برحيلك ويسيرون بسيرك والأمر في ذلك إليك وقد تقدمنا إليه بطاعتك فاستخر الله تعالى حتى توافي أمير المؤمنين فما أحد من إخوته وولده وأهل بيته وخاصته ألطف منزلة ولا أحمد له أثرة ولا هولهم أنظر وعليهم أشفق وبهم أبر وإليهم أسكن منه إليك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ؛ وكتب إبراهيم بن العباس في شهر كذا من سنة ثلاث وأربعين ومائتين فلما وصل الكتاب إلى أبي الحسن (عليه السلام) تجهز للرحيل وخرج معه يحيى بن هرثمة حتى وصل إلى سر من رأى فلما وصل إليها تقدم المتوكل أن يحجب عنه في يومه فنزل في خان يعرف بخان الصعاليك وأقام فيه بقية يومه ثم تقدم المتوكل بإفراد دار له فانتقل إليها. 

أمر المتوكل بأنزال الإمام يوم وروده سامراء في مكان وضيع يعرف بخان الصعاليك خان المشرّدين والمساكين بذريعة انّ محل إقامته لم يهيّأ بعد، فقضى (عليه السلام) يومه هناك، ومن المؤكد انّ القصد من وراء هذه الحركة هو تحقير الإمام وإهانته بشكل دبلوماسي واعدّوا له داراً للسكن في اليوم التالي فأقام فيه ؛ كان الإمام في هذه المدينة حراً في الظاهر غير انّه كان يعيش كالسجين، إذ كانت داره بحيث تخضع جميع تحركاته وسكناته ولقاءاته للمراقبة من قبل جلاوزة الخليفة ؛ وكان يزداد الطبيب المسيحي وتلميذ بختيشوع وخلال إشارته إلى إحضاره الإمام كرهاً وإجباراً إلى سامراء يقول: إن كان مخلوق يعلم الغيب فهو وقد استقدمه الخليفة من الحجاز فرقاً منه لئلا ينصرف إليه وجوه الناس فيخرج هذا الأمر الخلافة عنهم ويمكن معرفة مدى خشية المتوكل من نفوذ الإمام الروحي بين الناس من خلال اختياره لمحل إقامته وعلى أي حال ورغم كلّ هذه الاحتياطات والمراقبة كان المتوكل يرى في الإمام خطراً يهدّد حكمه ويخشى أن يتصل به أصحابه وشيعته خفية فيخططون للثورة عليه ويمهدون لأنفسهم من خلال إعداد العدة والعدد لهذا الأمر. وكانت حاشية الخليفة تحذره أحياناً من احتمال قيام الإمام وثورته هو وأصحابه، لذلك كان يأمر بين الحين والآخر بتفتيش دار الإمام بدقة، ومع أنّ جلاوزته كانوا يرجعون بخفي حنين في كلّ مرة ظل المتوكل قلقاً يشعر بالخطر وذات مرة سعي بالإمام الهادي إلى المتوكل انّ في منزله كتباً وسلاحاً من شيعته من أهالي قم وهو ينوي الثورة على الدولة، فبعث المتوكل إليه جماعة، فهاجموا داره ليلاً فلم يجدوا فيها شيئاً، ووجدوا الإمام في غرفة مغلقة وعليه ثوب من صوف وهو جالس على الرمل والحصى متوجهاً إلى اللّه تعالى يتلو آيات من القرآن، فحملوه على حاله تلك إلى المتوكل، وقالوا له: لم نجد في بيته شيئاً، ووجدناه مستقبل القبلة يقرأ القرآن وكان المتوكل جالساً مجلس الشراب، فأُدخل عليه الإمام والكأس في يده، فلمّا رآه هابه وعظّمه وأجلسه إلى جانبه وناوله الكأس التي كانت في يده .

فقال: واللّه ما خامر لحمي ودمي قط، فاعفني فأعفاه.

فقال: أنشدني شعراً.

فقال الإمام: أنا قليل الرواية للشعر .

فقال: لابدّ، فأنشده الإمام (عليه السلام) :

باتــوا على قـــلل الأجــبال تحــرسهم     *    غلـــب الرجـــــال فمــا أغنــتهم القــلل

واستـــنزلـــوا بعــد عزّ عن معــاقلهم     *     فـــاودعـــوا حــــفراً يا بئـس ما نزلوا

نــــاداهم صـــارخ من بعد ما قـــبروا     *     أين الأســـــرّة والتيجــــان والحـــلل؟

أين الـــوجــــوه التي كـــانت منـــعّمة     *     من دونهــــا تضرب الأستار والكلل؟

فــــافصح القبر عنـهم حين ســـاء لهم     *     تلك الوجـــوه عليــــها الــــدود يقـتتل

قد طـــالما أكلــــوا دهـــراً وما شربوا     *     فأصــبحوا بعد طــول الأكل قد أكلوا

وطــــالما عمّــــروا دوراً لتحصــنهم      *     ففـــارقــوا الــدور والأهلـين وانتقلوا

وطــــالما كنزوا الأمــــوال وادّخـروا     *     فخلّـــفوها على الأعـــداء وارتحــلوا

أضـــحت منازلــــهم قفـــراً معــــطلة     *     وســاكنوهـــا إلى الأجـداث قد رحلوا

فأثّر على المتوكل حتى بلت لحيته دموع عينه وبكى الحاضرون، وأمر المتوكل برفع الشراب، وقدّم للإمام أربعة آلاف درهم، وردّه إلى منزله مكرّماً .